الجنرال النحيف المرعب… جنرال رفض أن يبتسم

ادهم حريري

تتألق العسكرية المصرية عبر تاريخها الحافل بأسماء قادة عظام حفروا حضورهم بمداد من الكبرياء والبطولة. وفي صدارة هؤلاء العمالقة، يقف المشير محمد عبد الغني الجمسي، مهندس العمليات العسكرية في حرب أكتوبر المجيدة، والقائد الذي لم يكن يُحسب له الحساب في ميادين القتال فحسب، بل على طاولات المفاوضات السياسية والعسكرية. شهد للمشير الجمسي الجميع، حتى أعداؤه، بقوة شخصيته، وهيبته الطاغية، واعتزازه المفرط بالكرامة الوطنية.

عقل الحرب الراجح ومهندس “كشكول الجمسي”

لم تكن هيبة المشير الجمسي وليدة الصدفة، بل كانت نتاج عقليته الاستراتيجية الاستثنائية؛ فهو رئيس هيئة العمليات خلال حرب أكتوبر 1973، وصاحب الدراسة التاريخية الشهيرة التي عُرِفت بـ “كشكول الجمسي”، والتي اختار فيها بدقة متناهية أنسب التوقيتات لساعات الرمي واقتحام قناة السويس، بناءً على حسابات دقيقة لحركة المد والجزر، وحالة الطقس، والتوازنات الميدانية.

هذه الدقة العالية والحزم الصارم جعلا منه شخصية تتسم بالنظام الشديد والانضباط الصارم، وهو ما ينعكس جلياً في سماته الشخصية ونظراته الحادة التي تنم عن مهابة وقار لا يتزلزل.

مفاوضات الكيلو 101: الكبرياء فوق طاولة الحوار

تجلت صيرورة هذه الشخصية القيادية بشكل واضح خلال مفاوضات “الكيلو 101” الشهيرة عقب حرب أكتوبر؛ حيث كُلّف الجمسي برئاسة الوفد العسكري المصري للتفاوض حول تثبيت وقف إطلاق النار وفض الاشتباك. هناك، أظهر الجمسي وجهاً آخر للصمود، فلم يكن مجرد مفاوض، بل كان صخرة صلبة يتحطم عليها كبرياء الخصم.

وقد تحدث عنه “عيزرا وايزمان”، أحد أبرز مفاوضي الجانب الإسرائيلي حينها، مشيراً بدهشة وإجلال إلى أن الجمسي كان يرفض رفضاً قاطعاً مصافحتهم أو حتى إلقاء التحية الشفهية عليهم. كان يدخل الخيمة بوقار عسكري صارم، يفرض شروطه بأقل الكلمات وأقواها، ويرفض إضفاء أي طابع إنساني أو ودّي على مفاوضات تجري مع من احتلوا أرضه.

“ألا تضحك؟”.. نظرة تعادل ألف كلمة

في إحدى المرات، وعقب انتهاء جولة شاقة من المباحثات وخروج الجمسي من خيمة المفاوضات، أسرع وايزمان وراءه في محاولة لكسر ذلك الجدار الصلب وخلق تفاعل إنساني، وقال له مستغرباً:

«سيادة الجنرال، بحثنا لك عن صورة وأنت تضحك، فلم نجد! ألا تضحك؟»

لم يمنح الجمسي خصمه متعة السجال اللفظي، ولم يرد بكلمة واحدة، بل اكتفى بتوجيه نظرة ازدراء كاسحة وثابتة إليه، كانت كفيلة بنقل الرسالة كاملة: إن ابتسامة القائد لا تُهدى لأعداء الوطن، وأن صرامة الموقف هي الصياغة الوحيدة المتاحة في ميادين العزة.

الإرث الخالد لـ “الجمسي”

وهكذا، حُفر اسم المشير عبد الغني الجمسي في ذاكرة التاريخ العسكري بلقب «الجنرال النحيف المخيف»؛ فهو القائد الذي امتلك البنية النحيلة والمجسّدة للزهد والانضباط، ولكنه أودع فيها هيبة مرعبة وقدرة على فرض الاحترام التام حتى على أعتى أعدائه. رحل الجمسي وظلت سيرته دليلاً شامخاً على أن العسكرية الحقيقية ليست مجرد خطط وسلاح، بل هي عقيدة وكبرياء وابتسامة يُحظر إهداؤها لمن اغتصب الأرض.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك