“اللي نبات فيه نصحا فيه”.. ما هذا القرف؟
هناء حلمي
تعالوا نتوقف قليلاً عند تلك الحكمة الشعبية العريقة التي تتحفةنا بها جداتنا كل صباح: “اللي نبات فيه نصحا فيه”، أو بمعنى أدق: “تنام على مصيبة، تستيقظ فتجدها في انتظارك مرتدية بدلة رسمية”.
يا سادة، من وضع هذه القاعدة البائسة؟ ومن قرر أن الاستيقاظ يجب أن يكون امتداداً طبيعياً لكابوس البارحة؟
في الدول المحترمة، ينام المواطن وهو يحلم بتطوير تكنولوجي جديد، أو برحلة استجمام، أو ربما بقرار حكومي يرفع عنه ضريبة معينة. أما عندنا؟ فنحن ننام ونحن نعدّ الساعات لنستيقظ على كارثة جديدة مصممة خصيصاً لتناسب سياقنا اليومي.
تنام ليلة البارحة وأنت تقنع نفسك بأن “بكرة أحلى”، وبأن الأمور ستتحسن، وبأن رب العالمين سيفرجها. تغمض عينك وأنت ترسم في مخيلتك خططاً أسطورية للتعايش مع الأسعار الفلكية والقرارات التعسفية. وما إن تشرق شمس اليوم التالي، حتى تفتح عيناك على… نفس السقف المائل، ونفس فاتورة الكهرباء التي تلاحقك في أحلامك، ونفس المسؤول الذي يطل عليك من الشاشة ليخبرك بكل وقاحة أن “كل شيء تمام والمواطن في أمان تام”!
يا جماعة، ما هذا القرف المنتظم بدقة ساعة السويسرية؟
لماذا لا يحدث معنا “تغيير طفيف” بالخطأ؟ لماذا لا نستيقظ يوماً فنكتشف أن الديون انقضت بذاتها، أو أن البصل أصبح مجانياً، أو أن المرتبات صعدت إلى السماء بينما الأسعار نزلت إلى قاع الأرض؟ لا… أبداً! القاعدة مقدسة وصارمة: “اللي نبات فيه نصحا فيه”. زرعت هماً بالليل، تحصده هماً مضافاً إليه فوائد البنوك عند الصباح.
صرت أتجنب تماماً أن أنام وأنا أفكر في مشكلة معينة، لئلا يفسرها الكون على أنها “طلب تمديد واشتراك سنوي”! صرت أدخل السرير بذهن فارغ تماماً مثل شاشة كمبيوتر مفصولة عن الكهرباء، علّ وعسى أن تضيع الخوارزميات في طريقي ولا تجد ما تكرره عليّ في الصباح.
باختصار، عافانا الله وإياكم من “صُبحيات” هذا الوطن التي تشبه حلقة مقالب لا تنتهي. ناموا قدر استطاعكم، ولا تصدقوا خرافة البدايات الجديدة؛ فكل بداية جديدة في بلادنا ما هي إلا “نسخة مكررة ومحدثة” لليوم البائس الذي سبقه.
تصبحون على خروج نهائي من هذا الكابوس!


إرسال التعليق