اخر الاخبار

هل بات الحل الوحيد هو الموت؟ … عندما تصبح استقالة الحياة أرخص من فاتورة الكهرباء!

هناء حلمي

يا سادة يا أعيام، ويا رعاكة الكوكب المنسيين في زوايا الإحباط العام، تعالوا نجلس معاً جلسة “فضفضة” على الطريقة الشرق أوسطية الخالصة. اليوم سنتحدث عن ذلك السؤال الوجودي العميق، العبثي، والمجاني تماماً، الذي يتردد في أذهان الملايين كلما فتحوا محفظة النقود، أو قرأوا نشرة الأخبار، أو استمعوا لتوقعات الأبراج الاقتصادية المدمرة: هل بات الحل الوحيد هو الموت؟

طبعاً، وقبل أن يفزع السادة المراقبون، ويجري “يوتيوب” أو “فيسبوك” لحظر المقال بتهمة التحريض على الانتحار الجماعي، أود أن أطمئنكم وأؤكد لكم بالبند العريض: نحن لا ندعو للموت الفعلي أبداً! فالموت في بلادنا العزيزة أصبح عملية “مكلفة” أيضاً، ولن تخلص منه بسهولة؛ فتخيل أن تموت وتترك خلفك فواتير معلقة، أو يُقال في جنازتك: “المسكين مات محروقاً من ارتفاع سعر كيلو اللحم”!

ما نقصده‌ هنا يا أصدقائي ليس الموت البيولوجي، بل “الموت المجازي المؤقت”، أو الكسل الوجودي الممنهج، أو بمعنى أدق: الانسحاب من معركة الحياة برفع الراية البيضاء وطلب اللجوء إلى “السرير”.

كتالوج خيارات “الموت الودي” المؤقت

حين تتقاطع فوق رأسك أزمة الفواتير، وفضائح المشاهير، وصدمات الفلك، وقرارات الدول التي تتغير أسرع من تغيير القنوات التلفزيونية، يبدأ عقلك البشري في البحث عن مخرج ديمقراطي ومريح. وإليكم أبرز خيارات “الهروب الناعم” المتاحة في السوق المحلي:

  1. موت الرد على الهواتف (الإنعاش الذاتي): أن تقرر فجأة أنك أصبحت في ذمة الله هاتفياً. تغلق كل وسائل الاتصال، وتضع هاتفك على وضع الطيران الأبدي، وتعيش في عزلة تامة تشبه عزلة أهل الكهف، لكن مع بطارية فارغة وعلبة بسكويت مملحة.
  2. موت المشاعر (إغلاق الحواس الخامسة): أن تمر عليك مصيبة كبرى، أو زيادة جديدة في الأسعار، فتكتفي برفع حاجبيك ببرود تام وتقول للجاني بكل تسليم: “اللهم لا اعتراض، كمل جميلك وخد الباقي”. هنا يتحول قلبك إلى حجر مرمر صلب لا تأكله النيران ولا تبلعه الطوفانات.
  3. موت الطموح الوظيفي: أن تذهب إلى عملك وأنت ترتدي قناع الكائن الحي، بينما روحك مسافرة في رحلة استجمام على جزر المالديف وحدها. لا تبالي بخصومات، ولا تهمك ترقيات، وكل ما تبتغيه من اليوم هو أن ينتهي بسلام دون أن يطلب منك المدير إضافة “جدول إكسل” جديد.

لماذا نفكر في الموت أصلاً؟

السبب بسيط جداً يا سادة؛ لأن البقاء على قسط من “الوعي الكامل” في هذا الزمن أصبح تهمة لا تقبل التبرير. الوعي يوجع الرأس، والفهم المستمر لمجريات الأمور يرفع نسبة السكري والضغط، والذكاء في رصد الكوارث يجعلك تتمنى لو كنت طوباً في جدار متروك!

في السابق، كان الإنسان يهرب من مشاكله بالسفر، أو القراءة، أو حتى بالجلوس على القهوة. أما اليوم؟ فالقهوة أصبحت بسعر الجواهر، والسفر يحتاج إلى أذون وتأشيرات وميزانية دولة، والجلوس على القهوة سيجعلك تستمع لشاويش الحي وهو يحرر مخالفة للكرسي الذي تجلس عليه! إذن، لم يتبقَ لنا سوى الموت الافتراضي؛ أن نغمض أعيننا ونتخيل أننا غير موجودين أصلاً، وأن العالم كله عبارة عن “مسرحية سخيفة” خرج أبطالها جميعاً لتبديل الملابس ولم يعودوا أبداً.

لذا يا سادة، في كل مرة تشعرون فيها أن الحبل قد ضاق، وأن الطوفان الاقتصادي يوشك على ابتلاع ما تبقى من أعصابكم، لا تذهبوا بعيداً… فقط ارتموا على السرير، أطفئوا الأنوار، ورددوا بصوت خافت: “لقد مت مؤقتاً.. يرجى ترك الرسالة بعد النغمة الوهمية!”.

تصبحون على حياة ألطف، أو على الأقل.. موت مريح بلا ديون!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك