فوق شاطئ هرمز:أين تقف أوروبا من الصراع الأمريكي الإيراني؟
الكاتب/ أسعد عبدالله عبدعلي
على حد شفير مواجهة جيوسياسية يُسهم الهيمنة الاستعمارية الغربية في إشعال فتيلها، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مجدداً في قلب الأزمة المشتعلة في الشرق الأوسط، يراقب بحذر بالغ صمود الجمهورية الإسلامية في إيران وثباتها بوجه الضغوط الاستكبارية التي تمارسها واشنطن وحلفاؤها.
لم تعد المسألة مجرد نزاع سياسي تقليدي، بل تحولت إلى معركة تثبيت أوراق القوة؛ حيث يبرز مضيق هرمز كمعبر استراتيجي سيادي يُلزم العواصم الغربية بأخذ معادلات الردع الإيرانية بحسبان جاد، بالنظر إلى ارتهان مفاصل النمو والتجارة في القارة العجوز بمدى احترامها لتوازنات المنطقة وعدم الانزلاق خلف المغامرات الأمريكية.
وفي هذا المشهد، تقف بروكسل مكبلة بين إدراكها لضرورة مهادنة القوة الإيرانية الرادعة, لتفادي أزمات الطاقة وتدفقات الهجرة، وبين انحيازها التلقائي للسياسات الأمريكية الصهيونية؛ لتظل السياسة الأوروبية معلقة على حبل مشدود يوازن بين الانحياز المعادي ومحاولة تجنب كلفة المواجهة.
· موقف الاتحاد الأوروبي من الردع الإيراني في مضيق هرمز
يتعاطى الاتحاد الأوروبي مع معادلة السيادة الإيرانية في مضيق هرمز ببالغ الحذر، حيث يحاول التذرع بمفاهيم “حرية الملاحة” لشرعنة تدخله لحماية مصالح اقتصاده المرتهن لتدفقات النفط والغاز.
وتنظر بروكسل إلى الإجراءات السيادية والردعية التي تتخذها طهران لحماية مياهها الإقليمية ورداً على العقوبات والغطرسة الغربية باعتبارها تهديداً لشبكات التجارة العالمية، مسقطة من حساباتها أن أصل التوتر يعود إلى الانحياز الغربي واستهداف أمن المنطقة.
وتوازياً مع هذا الطرح القانوني الشكلي، ينخرط الاتحاد ميدانياً في محاولات للاستعراض العسكري والتواجد الأمني عبر إطلاق مهمات مراقبة, مثل المهمة الأوروبية للتوعية البحرية، ونشر قطع بحرية لدول كفرنسا وإيطاليا وهولندا في محاولة لحماية المصالح الغربية.
غير أن هذا التواجد الأوروبي يصطدم بحقيقة ميدانية مفادها أن طهران تملك زمام المبادرة واليد الطولى في أمن الخليج، مما يجبر بروكسل على ضبط تحركاتها ضمن حدود التواجد الحذر، وتجنب أي انخراط في أعمال عدائية قد تشعل مواجهة شاملة يدرك الأوروبيون أنهم سيكونون أول خسائرها.
· الشراكة الأوروبية مع الحلف ألامريكي – الصهيوني
تنطلق العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من قاعدة تحالف استراتيجي عضوي، يظهر فيه الأوروبيون كشركاء في حماية هذا المشروع؛ حيث يُترجم الموقف الأوروبي صراحة عبر الانحياز الأمني والسياسي التام للكيان، واعتبار أمنه أولوية غطاءً للعدوان. وتتجلى هذه الشراكة من خلال المشاركة اللوجستية والميدانية لبعض الدول الأوروبية كبريطانيا وفرنسا في التصدي لمنظومات الردع الإيرانية الصاروخية, والمسيّرات التي تنطلق دفاعاً عن قضايا الأمة وردعاً للاعتداءات.
ويتسع نطاق هذا التواطؤ الأوروبي ليشمل فرض حزم عقوبات جائرة متتالية تستهدف قطاع التصنيع العسكري الإيراني وبرامج الصواريخ والمسيّرات، متماهيةً بشكل كامل مع المخططات الأمريكية-الصهيونية المحمومة لخنق محور المقاومة وتضييق الخناق على الحرس الثوري الإيراني. إلا أنه وفي مقابل هذا الاندماج في ملف العقوبات والدعم العسكري لحلفائها، تخشى بروكسل الذهاب إلى الخيار العسكري المباشر لحل الملف النووي، مظهرةً تفضيلها للتكتيكات الدبلوماسية كوسيلة لاحتواء عناصر القوة الإيرانية دون الخوض في مواجهة مفتوحة لا تُحمد عقباها.
· حدود الحسابات الأوروبية والخشية من المواجهة
على الرغم من التساوق الأوروبي الشديد مع المخططات الأمريكية والصهيونية، تدرك بروكسل أن الانسياق التام خلف الرعونة الأمريكية وسياستها الهجومية يحمل مخاطر كارثية على القارة نفسها؛ إذ تحرص بعض العواصم الأوروبية على فتح قنوات تفاوضية لتجنب سيناريو التفجير الشامل بالمنطقة.
ويرتكز هذا الحذر الأوروبي على خشية حقيقية من أن يؤدي أي اعتداء واسع على الجمهورية الإسلامية, إلى ردود قاسية وغير مسبوقة تهدم الاستقرار الإقليمي برصيده الكامل، وتطلق موجات عاتية من الفوضى وانهيار أسواق الطاقة وتدفقات الهجرة نحو أوروبا. ومن هنا، تُصر بروكسل على الحفاظ على هامش من قنوات التواصل الدبلوماسي مع طهران، لا رغبة في العدالة بقدر ما هو استشعار للخطورة ومحاولة للعب دور الوسيط الذي يمنع انفجار الأوضاع بوجه الجميع.
· معادلة بروكسل الحرجة أمام الردع الإيراني
يتكشف الموقف الأوروبي حيال الصراع مع الجمهورية الإسلامية عن معادلة حرجة؛ تحاول فيها بروكسل الموازنة بين تبعيتها الاستراتيجية للتحالف الغربي الأمريكي-الصهيوني، وبين واقعيتها الميدانية التي تفرض عليها الاعتراف بنفوذ إيران وقدرتها على قلب الطاولة في شريان الطاقة العالمي.
إن الاتحاد الأوروبي، مهما تمادى في خياره العقابي ومهماته البحرية ودعمه المستمر للكيان الصهيوني، يدرك جيداً أن أمن الخليج ومضيق هرمز ليس ساحة مجانية للمغامرة، وأن أي مواجهة واسعة ستدفعه القارة العجوز ثقلاً كبيراً من استقرارها واقتصادها.
وبين الانحياز لحلفائها وبين الرهبة من قوة الردع لدى محور المقاومة، ستبقى بروكسل تعيش دوامة التردد، بين التحريض الساسي والتراجع الميداني أمام حق طهران الراسخ في حماية سيادتها ومياهها الإقليمية.
· ختاما: نفاق بروكسل السافر
لم يعد بإمكان القارة العجوز التخفي خلف شعاراتها المائعة؛ فالموقف الأوروبي تجاه الصراع فوق شاطئ هرمز ليس إلا تجسيداً صارخاً للنفاق السياسي. تتشدق بروكسل بقوانين الملاحة الدولية وحقوق الإنسان، لكنها سرعان ما تسقط أقنعتها الأخلاقية لتظهر كذراع مطيع للإمبريالية الأمريكية والعربدة الصهيونية. إن هذا الاتحاد الذي يدّعي “الحياد” والدبلوماسية يهرع لتأمين تدفقات النفط لحماية اقتصاده، بينما يتواطأ بلا خجل في حماية الكيان الغاصب وإطباق الحصار الجائر على الشعب الإيراني ومحور المقاومة.
إن السياسة الأوروبية تنطلق من جبن استراتيجي وانتفاع رخيص؛ فتستعرض عضلاتها بفرقاطات ومهمات مراقبة لترهيب شعوب المنطقة، ثم تتوسل قنوات التفاوض مع طهران حين تشعر بوطأة الردع وقدرة المقاومة على خنق شريانها الحيوي. هذا هو النفاق الأوروبي بعينه: وقاحة في فرض العقوبات وتوفير الغطاء لجرائم واشنطن وتل أبيب، وذعر جبان من دفع ثمن المغامرات حين تدنو لحظة الحساب.
لقد أثبتت بروكسل أنها مجرد تابع للأجندات الاستكبارية، يتباكى على الملاحة حين تُهدد مصالحه، ويصمت أمام الاعتداءات ضد الشعوب. لكن زمن الاستعلاء الغربي قد ولى؛ ولن تعفي بروكسلَ مناوراتها الملتوية من حقيقة أنها شريك في العدوان، وأن يد الردع الإيراني فوق هرمز كفيلة بتهشيم هذا الأداء المنافق, وإرغام القارة العجوز على الانصياع لمعادلات السيادة رغماً عن أنف أدعياء السلام المزيف.



إرسال التعليق