اخر الاخبار

حقوق المريض في المستشفيات و العيادات الخاصة في الجزائر

بين رحمة الطب وتجارة الاستشفاء: صرخة المريض في عيادات الخاص

بقلم: ليلى بلدي

حين يرتدي المريض ثوب الألم، ويطرق باب المستشفى أو العيادة الخاصة، فإنه لا يسلّم جسده المنهك فحسب، بل يضع بين يدَيْ المؤسسة الطبية أغلى ما يملك: كرامته، وأمنه النفسي، وحقه الأساسي في الحياة. في القطاع الخاص، حيث تتداخل معادلة “الشفاء الإنساني” مع “منطق السوق والاستثمار”، غالباً ما يضيع المريض في زحمة الفواتير وشعارات الجودة الوهمية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لتسليط الضوء على “حقوق المريض”؛ ذلك الدرع القانوني والأخلاقي الذي يحمي المواطن من أن يتحول إلى مجرد رقم في سجلات الربح والخسارة.

أولاً: حق الإعلام والموافقة المستنيرة.. هل يملك المريض حق المعرفة؟

أول ما يصطدم به المريض في أروقة بعض العيادات الخاصة هو غياب الشفافية الطبية الكاملة. إن القانون يقر بوضوح حق المريض في أن يطلع على تفاصيل حالته الصحية، والتشخيص الدقيق، ومخاطر العلاج أو الجراحة المقترحة. غير أن الواقع يشهد أحياناً تسرعاً في اتخاذ القرارات العلاجية أو الجراحية دون شرح مبسط ومطمئن، وكأن المريض كائن مسلوب الإرادة لا حق له في مناقشة طبيبه. إن “الموافقة المستنيرة” ليست مجرد توقيع جاف على ورقة إبراء ذمة تُنتزع من العائلة في لحظة هلع، بل هي عقد أخلاقي وإنساني يبدأ بالحوار الصادق وينتهي باختيار واعٍ ومسؤول.

ثانياً: السرية الطبية وكرامة الجسد.. أسرار مستباحة في فضاءات الاستهلاك

في زمن تتسابق فيه العيادات الخاصة على التسويق الرقمي واستعراض النجاحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتعرض حرمة المريض في كثير من الأحيان للاختراق. إن سرية الملف الطبي ليست ترفاً إدارياً، بل هي حق مقدس كفلته الشرائع والقوانين. فمعلومات المريض، ووضعه النفسي، وتاريخه المرضي هي أمانة في ذمة الطبيب والمؤسسة. كما أن احترام الخصوصية الجسدية للمريض أثناء الفحوصات والعمليات يجب أن يظل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة تجارية أو استعراضية، فالحفاظ على آدمية الإنسان في أضعف لحظاته هو المعيار الحقيقي لمدى تحضر المنظومة الصحية.

ثالثاً: ابتزاز الموت والألم.. حين يفقد الاستشفاء معناه الإنساني

ولعل أقسى ما يواجه المريض وعائلته في بعض العيادات الخاصة هو السقوط في فخ الابتزاز المالي، لا سيما في اللحظات الحرجة. فأن يُحرم عزل الميت من استلام جثمان فقيدهم بحجة تأخر تسوية الفواتير أو العجز عن دفع المستحقات الباهظة، فهو انحدار أخلاقي وإنساني خطير يسيء لمهنة الطب برمتها. إن الرعاية الصحية حق أساسي وليست سلعة تُباع لمن يمتلك الثمن وتُحجب عن المحتاج. وحين يتحول الطبيب إلى “تاجر أزمات” والمصحة إلى “فندق سبع نجوم” يلهث خلف الأرباح، تفقد المنظومة الطبية جوهرها النبيل الذي قامت لأجله.

رابعاً: آليات الرقابة وحق التقاضي.. لا أحد فوق القانون

إن معرفة المريض لحقوقه لا تنتهي عند باب العيادة، بل تمتد لتشمل حقه المشروع في الشكوى والمساءلة. فالقوانين والتشريعات الصحية تضع إطارا صارما لمعاقبة الإهمال الطبي، أو الأخطاء الجسيمة، أو الابتزاز المالي. ويبقى على المجموعات الحقوقية، والنقابات الطبية، وأجهزة الرقابة التابعة لوزارة الصحة، تكثيف الرقابة الميدانية على العيادات الخاصة، لضمان عدم تحول هذه المؤسسات إلى جزر عازلة خارج نطاق القانون والمساءلة.

إن القطاع الصحي الخاص يمثل شريكاً أساسياً ولا غنى عنه في تخفيف الضغط عن المستشفيات العمومية، ولكن الشراكة الحقيقية لا تعني الإفلات من القيم الإنسانية. إن المريض ليس زبوناً عادياً يبحث عن سلعة ترفيهية، بل هو إنسان يبحث عن الأمل والشفاء. وحين تستعيد العيادات الخاصة توازنها بين نجاعة الاستثمار ونبل الرسالة الطبية، تصبح مكاناً يُقصد للسلامة لا للخوف.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك