حظي أسود في كل شيء.. إلا في البطيخ فهو أبيض!

الدكتور عزام مالك

منذ أن فتحت عيني على هذه الدنيا، وأنا تربطني بالعالم علاقة عدائية قائمة على سوء التفاهم والتعثر الممنهج. حظي في هذه الحياة يمتلك لوناً حالكاً، داكناً، وثقيلاً لدرجة أن الفحم يبدو بجانبه ناصع البياض. جربت كل مجالات الحظ السعيد، فوقفت دائماً في طابور الخاسرين. غير أنني، وبعد عقود طويلة من التمعن الفلسفي في بؤس أيامي، اكتشفت الاستثناء الوحيد الذي يكسر هذة القاعدة الكونية الظالمة: حظي أسود في كل شيء.. إلا في البطيخ فهو أبيض!

أولاً: فيزياء الحظ الأسود.. حين تنقلب الكبسولة ضدك

لكي تفهموا عمق مأساتي، دعوني أقدم لكم عينة صغيرة من سجلي الحافل بالإخفاقات المزمنة:

  • لو شاركت في مسابقة لربح سيارة فخمة وكل المشاركين فيها عشرة أشخاص، لحدث زلزال وألغيت الجائزة، أو لفاز بها شخص غائب لم يتقدم للقرعة أساساً!
  • لو أنني دخلت مشروعاً تجارياً استثمارياً في بيع المظلات، لشهدت البلاد أطول موجة جفاف تاريخية لم تُمطر السماء فيها قطرة ماء واحدة لعشر سنوات متتالية.
  • لو بحثت عن شقة للإيجار بإطلالة بحرية، لاكتشفت بعد دفع العربون أن الشقة تطل مباشرة على مكب النفايات المركزي للولاية!

باختصار شديد، الحظ معك يا صديقي هو صديق وفي للآخرين، ولكنه عدو لدبر يتتبع خطواتي كظل لا يفارقني.

ثانياً: معضلة البطيخة.. فقه الاختيار الفاشل في سوق الفواكه

ولأن لكل قواعد شواذ، فإن قانون السواد المطلق ينهار تماماً حين يتعلق الأمر بـ “البطيخ”. هل حدث أن اشتريتم بطيخة من سوق الحي وكنتم تتوقعون أن تكون حمراء، حلوة، ومثالية، فإذا به تتفاجأون بأنها بيضاء وفارغة تماماً؟ تهانينا، أنتم لستم وحدكم، فهذه هي بصمتي الخاصة في الكون. مهما بلغت من خبرة وكفاءة في النقر على البطيخة، أو سماع “الرنة” العميقة التي تدعي النضج، أو استشارة خبراء البطيخ المخضرمين، فإن الحصيلة النهائية ثابتة لا تتغير: أفتح البطيخة بسكين مبتسم، فإذا بلبها أبيض ناصع كأنه قطن طبى لم يمر بجانبه أي سكر أو صيف!

ثالثاً: التناغم العبثي.. لماذا يتطابق البطيخ مع حظي؟

في الواقع، ليس غريباً أبداً أن يكون حظي مع البطيخ أبيض ومقسماً، فهو التجسيد المادي والموضوعي لطبيعة أيامي. فالحياة تخدعنا دائماً بغلاف خارجي أخضر، لامع، ومبشر بالخير، وما إن ندفع الثمن ونقطع القشرة حتى نصدم بالبياض القاحل والفراغ المرير. البطيخ الأبيض الخاص بي هو الشاهد الرمزي الوحيد على أنني أسير في طريق السعادة الخاطئة بكل ثقة!

ختاماً

لذا، وأمام هذه الحقيقة المرة، قررت ألا أتنازع مع القدر بعد اليوم. سأقبل بحظي الأسود في كل تفاصيل المعيشة، وسأذهب بكل هدوء إلى السوق لأختار أتعس بطيخة خضراء في الحسبان، وأنا أثق تماماً أنها ستكون بيضاء كاللبن الرايب. على الأقل، أنا الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يعرف تماماً ما ينتظره خلف قشرة البطيخ!

إرسال التعليق