أخطر العقوبات وأشدّها صرامة في آخر تعديلات قانون العقوبات الجزائري (القانون 24-06)
دكتور بن حريد نذير
شهدت المنظومة العقابية في الجزائر تحولاً مفصلياً عقب صدور القانون رقم 24-06 (المؤرخ في 28 أبريل 2024 والمشرف بالجريدة الرسمية رقم 30)، المعدل والمتمم للأمر 66-156 المتضمن قانون العقوبات. وبينما ركزت بعض التعديلات على الجوانب التأديبية المرنة كالعقوبات البديلة، يتجه الشق الآخر من القانون نحو التشديد الأقصى والردع المطلق لمواجهة الجرائم الجسيمة التي تمس الأرواح، الأمن القومي، والسكينة العامة.
يسلط هذا التقرير القانوني الضوء على أخطر وأشد العقوبات التي استحدثها أو غلّظها المشرع الجزائري في هذا التعديل.
أولاً: إعادة التفعيل الصارم لعقوبة الإعدام (الحرق العمدي المؤدي للوفاة)
يُعد التعديل الوارد على الجرائم المتعلقة بالحرق العمدي من أخطر وأقسى المواد في هذا القانون:
- تطبيق الإعدام الوجوبي (المادة 399): نص التشريع المعدل بوضوح على أن عقوبة الإعدام هي العقوبة الحتمية التي تُطبق على كل من يرتكب جريمة الحرق العمدي (وفق المواد 395، 396، 396 مكرر، 397، 398) إذا أدى هذا الحريق إلى وفاة شخص أو عدة أشخاص.
- الهدف: ردع جرائم حرق الغابات، والأملاك العمومية، والمنشآت الحيوية التي أودت بحياة المواطنين والرجال الأمن في السنوات الأخيرة.
ثانياً: حرمان المحكوم عليهم من الظروف المخففة (السجن المؤبد والشدة)
لم يكتفِ المشرع بتغليظ العقوبة، بل قام بتضييق الخناق على السلطة التقديرية للقاضي في تخفيف الأحكام عن المرتكبين لهذه الجرائم الجسيمة:
- استبعاد التخفيف (المادة 396 مكرر 3): منع القانون المحكوم عليهم في جرائم الحرق العمدي الموصوف الموجه ضد أملاك الدولة، أو الغابات، أو المنشآت الوطنية من الاستفادة من “الظروف المخففة” إذا اقترنت أفعالهم بأعمال تخريبية، إرهابية، أو مساس بالسلامة الترابية.
- النتيجة: البقاء على العقوبات القصوى (السجن المؤبد أو السجن المشدد لمدد تصل إلى 20 سنة) دون إمكانية الخفض.
ثالثاً: تشديد العقوبات الإجرامية على عصابات الأحياء والجرائم المنظمة
أقر التعديل عقوبات سالبة للحرية مشددة لمواجهة ظاهرة الإجرام الحضري واستخدام الأسلحة البيضاء:
- السجن المشدد والعقوبات المالية المغلظة: رفع العقوبات المقررة لجرائم التجمهر المسلح، وترهيب المواطنين، وإنشاء أو إدارة “عصابات الأحياء” لتصل إلى السجن المؤقت من 10 إلى 20 سنة، مع فرض غرامات مالية ضخمة.
- مضاعفة العقوبة في حالات العود أو استخدام القصر: تُغلظ العقوبات إلى أقصى حدودها القانونية إذا تم استغلال الأطفال أو صغار السن في تنفيذ هذه الأفعال الإجرامية.
رابعاً: معاقبة الاعتداء على الموظفين ورجال السلطة والقطاع الصحي
أولى التعديل الجديد حماية جنائية مشددة لرموز الدولة والقطاعات الحيوية:
- تغليظ عقوبات الاعتداء الجسدي واللفظي: يواجه كل من يعتدي على الأطقم الطبية داخل المستشفيات، أو رجال التعليم، أو أعضاء الضبطية القضائية والموظفين العموميين أثناء أداء مهامهم عقوبات بالسجن تصل إلى 10 سنوات حبساً نافذاً، وتزداد الجسامة في حال نتج عن الاعتداء عاهة دائمة أو تخريب للآلات والمعدات الطبية والخدمية.
خامساً: جدول تفصيلي لأخطر العقوبات المعتمدة
| الجريمة | العقوبة المقررة في القانون 24-06 | النطاق والخطورة |
| الحرق العمدي المؤدي للموت | الإعدام | عقوبة قصوى حتمية عند وقوع ضحايا بشرية. |
| التخريب والحرق العمدي للمنشآت والغابات | السجن المؤبد (مع استبعاد التخفيف) | حرمان الجاني من ظروف التخفيف القضائي. |
| تأسيس أو قيادة عصابات الأحياء | السجن من 10 إلى 20 سنة + غرامات مرتفعة | تصنيف الفعل كإجرام منظم يهدد الأمن العام. |
| الاعتداء الجسيم على الأطقم الطبية والموظفين | السجن يصل لـ 10 سنوات (مع التغليظ) | حماية صلبة لسير المرافق العامة والاستشفائية. |
خلاصة التقرير
يعكس التعديل الأخير لقانون العقوبات الجزائري رسالة صارمة مفادها أن “المساس بالأرواح، والبيئة، وأمن الاستقرار الوطني خط أحمر”. فبينما اتجه القانون نحو بدائل السجن في المخالفات البسيطة، فإنه أغلق باب التساهل أمام الجرائم الكبرى، واضعاً تشريعات ردع هي الأشد والأقسى في تاريخ المنظومة العقابية الجزائرية الحديثة.


إرسال التعليق