اخر الاخبار

الكلاب الضالة في مصر.. بين الرفق بالحيوان وحق الإنسان في الأمان

لم تعد مشكلة الكلاب الضالة في مصر مجرد قضية خلافية بين المدافعين عن حقوق الحيوان والمطالبين بالحد من انتشارها، بل أصبحت قضية صحة عامة وأمن مجتمعي تستدعي تدخلاً علمياً وحكومياً جاداً. فالزيادة غير المنضبطة في أعداد الكلاب، مع انتشار القمامة ومخلفات الطعام، توفر بيئة مناسبة لتكاثرها وتجمعها في قطعان، وقد تتحول بعض هذه التجمعات إلى مصدر خطر على المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن.

وتكمن أخطر المخاطر الصحية في داء السعار (Rabies)، وهو مرض فيروسي يكاد يكون قاتلاً بنسبة 100% بعد ظهور أعراضه، وإن كان من الممكن الوقاية منه بعد العقر بالغسيل الفوري للجرح والحصول على التطعيم والمصل وفق التقييم الطبي. كما تسبب هجمات الكلاب إصابات جسدية وآثاراً نفسية، فضلاً عن احتمالات انتقال بعض الأمراض والطفيليات.

وتؤكد التجارب العلمية أن القتل العشوائي للكلاب لا يمثل حلاً مستداماً؛ لأنه لا يعالج أسباب التكاثر، ولا يزيل مصادر الغذاء، وقد تحل كلاب أخرى محل التي جرى التخلص منها. لذلك توصي المنظمات الدولية باستراتيجية متكاملة تشمل التطعيم ضد السعار، وتعقيم الإناث، والتبني والإيواء، والسيطرة على مصادر الغذاء المكشوفة، وتحسين منظومة جمع القمامة.

وفي المقابل، لا يعني الرفق بالحيوان ترك الكلاب المريضة أو شديدة العدوانية تهدد حياة المواطنين. فالقتل الرحيم (Euthanasia) قد يكون ضرورياً في حالات محددة، بعد تقييم بيطري وسلوكي، وبإجراءات قانونية وإنسانية تمنع المعاناة، وليس باعتباره وسيلة للإبادة الجماعية أو بديلاً عن الإدارة العلمية للأعداد.

ما تحتاجه مصر هو برنامج قومي مستدام يبدأ بحصر أعداد الكلاب وتوزيعها، وتطعيمها على نطاق واسع، مع استهداف تغطية لا تقل عن 70% للسيطرة على انتقال السعار، وتنفيذ برامج تعقيم منتظمة، وتوفير مراكز إيواء ورعاية بيطرية، والتعامل المنظم مع الكلاب الخطرة، بالتوازي مع مواجهة تراكم القمامة ومخلفات الطعام التي تمثل أحد أهم مصادر بقائها وتكاثرها.

إن حماية الإنسان والرفق بالحيوان ليسا هدفين متعارضين؛ فالدولة مسؤولة عن حماية المواطنين ومنع إيذاء الحيوانات في الوقت نفسه. حياة الإنسان، وخاصة الأطفال، أولوية لا تقبل المساومة، والرحمة بالحيوان لا تعني تجاهل الخطر، كما أن حماية المجتمع لا تبرر القسوة العشوائية. المطلوب علم وتخطيط وتمويل ومحاسبة، قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة صحية ومجتمعية يصعب احتواؤها.

د محمد إبراهيم بسيوني 

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك