اخر الاخبار

قراءة في جحود الذاكرة الوطنية وميراث بومدين

لاراس حبيب

لقد صدق الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي حين وضع إصبعه على جرح عميق تعاني منه الأمم التي لم تبلغ بعد مراتب النضج الحضاري الكامل، إذ يقول بحسرة العارف وعمق الحكيم:

«الحقيقة أن الدول المتحضرة تعظم عظمائها الذين لعبوا دوراً حاسماً في تربية المجتمع ودعم الحرية وتهذيب الآداب وتسخير العلوم… لكن في الدول المتخلفة صمت كبير يخيم على العظماء، وعندما يذكرون يركزون على الهنات وتطمس الحسنات ويسيطر التخريف وزلل الأرقام… حتى يطفو فوق السطح السخفاء والسفهاء والتفهاء».

جحود الذاكرة: حين يُحارب العظماء بعد رحيلهم

هذا التوصيف الدقيق ينطبق تماماً على ما آلت إليه مقاربة الذاكرة التاريخية في بعض محطاتنا؛ حيث يُقابل الكبار وأصحاب الأثر العميق بحملات من التعتيم، أو محاولات بائسة لاختزال مساراتهم الكبرى في جزئيات عابرة. فبدلاً من الوفاء لمن أسسوا وبنوا، تسود أحياناً ثقافة الجحود وطمس الحسنات، لتفسح المجال أمام صعود الأصوات الضحلة التي لا تقيم وزناً لمعنى الدولة ولا لتضحيات الرجال.

بومدين: الشمعة التي احترقت لتضيء درب الجزائر

وحين نستحضر هذا الواقع، يبرز اسم الرئيس الراحل هواري بومدين كواحد من أسطع الأمثلة على هذا الجفاء التاريخي من جهة، والخلود الشعبي الحقيقي من جهة أخرى.

لقد اختار بومدين أن يكون الشمعة التي تحترق لتضيء طريق المعرفة لأبناء هذا الوطن. لقد آمن مبكراً بأن تحرير الجزائر الحقيقي لا يكتمل إلا بتحرير عقول أبنائها، فوفر سبل العلم والتعليم المجاني للشباب، وبنى الصروح، وفتح أبواب الجامعات والمعاهد ليكون العلم سلاح الجيل الصاعد. لقد كان، بحق، مهندس السيادة الوطنية والاقتصادية، والدرع الحصين للخيارات الشعبية والتحررية في العالم الثالث.

ولأن عطاءه كان جارفاً ومشروعَه كان طموحاً بحجم وطن، فقد احترقت تلك الشمعة قبل أوانها، وتوقف بذلك العطاء الجسدي لرجل مازال في ذروة البذل والعطاء وقمة التألق الوطني والقومي.

إن محاولات تغييب الرمز أو تشويه سيرته عبر إثارة الأكاذيب أو ترويج الأوهام لم تزيدد الزعيم الراحل إلا رسوخاً في وجدان الأمة. فكما أكد الإبراهيمي بحكمته البليغة: “ولكن… الذهب يبقى ذهباً والشمس شموساً”. سيبقى تاريخ بومدين ناصعاً، وستبقى إنجازاته شاهدة على أن الرجال العظماء لا يموتون برحيل أجسادهم، بل تحرص الذاكرة الحية للشعوب الأحرار على صونها وحمايتها من ريح النسيان والجحود.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك