الإسلام كدين أقلّية(الحالة الإيطاليّة)
عزالدّين عناية 1
“الإسلام الإيطالي” أو “الإسلام في إيطاليا” في الحقبة المعاصرة، ومع ما بين الصيغتين
من فروقات، هو جزء من الإسلام الأوروبي الذي أفرزته أوضاع ما بعد الاستعمار. إذ لم
تنشأ الظاهرة الإسلامية في أوروبا الحديثة والغرب عموما نشأة طبيعية، بل جاءت في
معظم تشكّلاتها مثخَنةً بالجراح الاستعمارية، الأمر الذي أبقاها مرتهِنة إلى مخيال حضاري
مضطرب. فقد ظلّت سياسات الدول الاستعمارية، وشبه الاستعمارية سابقا، محتكِمة في
التعامل مع الوافدين إلى بنى نظر استعلائية، إلى أن فَرَضت تحوّلات من الداخل تحويرات
أدّت إلى تغييرات مُهمّة لا تزال في طور الاشتغال.
في جذور المسألة
يقتضي فهم علاقة الإسلام بإيطاليا تنزيل المسألة ضمن إطار أشمل، وهو كيف تنظر
التوجّهات الغربية بخلفيتها الدينية والحضارية إلى المسلم القادم إلى ديارها والمستوطِن
بأرضها؟ في البدء نشير إلى وجود نظرة تَمايزٍ تُعبِّر عن التغاير شائعة بين الناس، وهي
نظرة لا تستبطن خَلفية عدائية أو عنصرية، وإنّما يطبعها حسّ المغايرة، وهو سلوك عفويّ
يأتيه المرء كلّما تواصل مع أُناس من غير دائرته الثقافية المألوفة. في مقابل ذلك ثمة نظرة
تناصب الآخر العداء مسبَقا، وهي رؤية سقيمة تضع الوجود الإسلامي برمّته ضمن منظور
الغزو والتهديد. يؤجّج تلك الرؤية جزع واهمٌ، ويتقاسم تلك النظرة المتوجّسة والبالغة حَدّ
العداء العلني علمانيون ومتديّنون على حدّ سواء. وما كان لتلك النظرة أن تتطوّر وتلقى
رواجا، لو لم تَجِدْ دعمًا ممّن يؤثرون الصِّدام بدل الحوار والتصلّب بدل التسامح.
وعلى العموم يحضر في التاريخ الغربي الراهن شكلان من النظر إلى ظاهرة الهجرة
والمهاجرين، غالبا ما يُعبَّر عنهما بمفهوم مزدوج الدلالة ومخاتل ألا وهو الاندماج: أحدهما
ذو طابع صَهري مقصود، والآخر ذو طابع تشاركي (كومونيتاري) محمود، يراعي
الخصوصيات المميزة للجاليات والجماعات. حيث يبدو الصنف الأوّل من الاندماج
الصّهري (المذوِّب) مدفوعًا بنموذج مثالي مهيمِن، يتطلّع إلى جعل مختلف الأنماط الوافدة
جامعي تونسي مقيم في روما- إيطاليا
tanayait@yahoo.it
2
مجرّد عناصر إضافية تثري النموذج القائم. ويخفي منظور الاندماج هذا دونية مضمَرة
للأغيار، وهو غالبا ما يفضي إلى أشكال من الصدام تتطوّر بتطوّر الوعي بالهويات
الفرعية وبأبعادها الحضارية. في مقابل ذلك يبدو الاندماج التشاركي (الكومونيتاري) الأكثر
اعتدالا، فهو حريص على مراعاة خصوصيات الجاليات والجماعات، وهو أكثر الخيارات
قبولا بين التلوّنات الثقافية. فلا يهدف الاندماج إلى مجرّد الاعتراف بالمغايَرة، ولكن
المقصد الرئيس ينشد خَلْق ثقافة احترام وتثمين للخصوصيات الحضارية، تكون فيها
المراعاة ليست منّة من الطرف المهيمِن المتحكِّم بالفضاء الاجتماعي، وإنما بوصفها حقّا
طبيعيا ينبغي أن تحظى به سائر المكونات.
وتبعا لمفهوم الدمج الاستعلائي، نرى حركة الدمج القسري في فرنسا، تعاني أزمات
متلاحقة أو لعلّه موتا سريريّا، مع ذلك تصرّ على التغاضي عن ذلك لكون العملية في
جوهرها تمثّل تشكيكا في قدرات النموذج العلماني، وهو ما تأبى الذات الجماعية الإقرار
به. فقد اتّخذت سائر العلمانيات الأوروبية تقريبا مسافةً من سياسة الهجرة الفرنسية، في
تعاملها مع التنوّعات الأخرى، ولا سيّما في ما يخصّ المسألة الروحية وتوابعها الرمزية،
من حيث تبنّي سياسات إكراه. إيطاليا التي تعدّ حديثة التعامل مع المهاجرين، مقارنة بدول
أوروبية أخرى، تراها أقرب إلى النموذجين الإسباني والبلجيكي منه إلى النموذج الفرنسي،
وإن كان في ظلّ الافتقاد إلى حاضنة مؤسساتية قانونية 2 .
والبيّن أنّ بروز فلسفة الاختلاف، في العقود الأخيرة، مع بعض المفكرين المعاصرين،
مثل جاك دريدا، وجيل دولوز، وميشيل فوكو، قد جاءت بمثابة ردّ فعل على سياسات
المونوبول السائدة في المجتمعات الغربية. وهي فلسفة تنخرط ضمن مسعى ترسيخ حقوق
الجاليات والأقليات والجماعات والمهمَّشين. تحوّلَ النظر معها للتعدّد والتنوّع والاختلاف
من عناصر فولكلورية إلى مقتضيات حقوقية، وبالعموم من عناصر سلبية إلى عناصر
إيجابية، تهدف إلى الحدّ من احتكار الفضاء الاجتماعي من جانب قوى محافِظة تزعم
الوصاية على الذاكرة الجماعية. فالعرْضُ المنصف لأنماط العيش، والتعبير عنها في وسائل
الإعلام، وفي الفضاء العمومي، وفي المدرسة، حقٌّ يُفترَض أن تضمنه الدولة الراعية
للجميع، بقصد فسح المجال لسائر الأطراف في الحضور داخل النسيج الاجتماعي. لكن
الحقيقة أنّ التعدّدية في الغرب بقدر ما تغري البعض، فهي تبعث على الريبة لدى آخرين
2 إنْزو باتشي، الإسلام في أوروبا.. أنماط الاندماج، ترجمة: عزالدين عناية، كلمة، أبوظبي 2010، ص: 31
وما بعدها.
3
لتبعاتها وآثارها المتباينة. ليس لأنّ حمولة التعدّدية ضارة، بل لآثارها الجانبية أيضا في
الحدّ من احتكار الرأسمال الرمزي من جانب أطراف نافذة، كَنَسية ويمينية وشعبوية، تتحكّم
بالسوق الثقافية.
لكن رغم الاحتفاء بالتعدّد والاختلاف والتنوّع، لم يسلم الأمر من اختزال قضايا جادة في
مظاهر فولكلورية مبتذَلة. فمع الطرف المسلم المستوطِن في الغرب نلحظ اختزالا شكلانيا
لقضايا جموع واسعة في مسائل لحم الحلال، والفولار، والصومعة، وما يتخفّى وراء ذلك
من حيف اجتماعي في بعض الأحيان، قوامه العزل المقصود من الشغل، والاستبعاد على
وجه العمد من مواقع النفوذ، لا سيّما لشبيبة وليدة في الغرب 3 . وتأكيدا على ضرورة
الخروج من الإطار الديني الذي غالبا ما تحشر فيه مطالب الجاليات المسلمة يقول سيلفيو
فرّاري: “هناك حاجة لنزع الطابع الإسلامي عن المشاكل التي عادة ما تلحق بالإسلام، فهي
في الحقيقة مشاكل معيشية تتعلّق بالأقلّيات المغايرةكافة، كما الشأن في أوروبا وفي إيطاليا
أيضا” 4 .
والحال أنّ الاندماج السويّ هو خيار مجتمعي يهدف إلى تكريس ديمقراطية اجتماعية
وتسوية جوانب حقوقية، وليس مجرّد احتفاء بالأكلات الإثنية، أو استعراض لأزياء شعبية،
أو إقامة حفلات رقص فولكلوري نابع من شغف “إيزوتيكي”، وهو ما قد يشيع تعدّدية
زائفة. ولعلّ أخطر مستويات التنكّر لمتطلّبات الاندماج السويّ، كما ترصد الباحثة جوسلين
شيزاري، حين يكون طمس الهويات المغايرة مدعومًا بقرارات مؤسّساتية تتشابك فيها
عناصر الأصول الثقافية والدين والفقر، وهي معادَلة في منتهى الخطورة في حالة
المهاجرين المغاربيين إلى أوروبا 5 .
الكنيسة الكاثوليكية والإسلام المهاجر
نأتي إلى السؤال المحوري ما الذي تمثّله الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا؟ تُعَدّ إيطاليا
الحديثة نتاج ولادة قيصرية، لم تهدأ فيها العلاقة بين الكنيسة والدولة إلى حين تواضعت
الأطراف المتنافسة على أنّ “الكنيسة حرّة في دولة حرّة”، بحسب مقولة السياسي الإيطالي
3 انظر مؤلفنا “الدين في الغرب”، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2017، ص: 150.
4 Silvio Ferrari, Le Comunità musulmane e i rapporti con lo stato, Chiesa e Islam in Italia, Esperienze e Prospettive
di dialogo a cura di Andrea Pacini, Paoline, Milano 2008, p. 46.
5 Jocelyne Cesari, L’Islam francese: una minoranza religiosa in costruzione, Edizioni Dedalo, Bari 2002, pp. 49-50.
4
الكونت كافور. وقد يذهب في ظنّ البعض أنّ دولة الفاتيكان الحالية منحصرة بحدود ما
وراء نهر التيبر البالغ مساحتها أربعة وأربعين هكتارا، وباتّباع السور المحاذي يمكن
الطّواف بها على مدار الساعة، ولكن نفوذها الروحي والرمزي والمادي أيضا يمتدّ على
كافة التراب الإيطالي وعلى مستويات عدة تربوية وصحية وسياسية وغيرها. وجيشها
الحقيقي، هو جيش فريد، يبلغ في الراهن 400 ألف كاهن، و 750 ألف راهبة. كما أن
دولة الفاتيكان تربطها علاقات دبلوماسية بـ 177 دولة، وتحت إشرافها ثلاثة ملايين
مدْرسة، وخمسة آلاف مشفى، ويضم “الكاريتاس” (دُور الإحسان)، المؤسّسة التي تسهر
على المساعدات الاجتماعية، 165 ألف بين متطوّع وعامل يقدّمون خدمات لـ 24 مليون
نفر. وأما مكتبة الفاتيكان فتضمّ أكثر من مليون كتاب، ومئة ألف بين خريطة ومخطوطة 6 .
لقد بدأ إيلاء ظاهرة الهجرة نحو إيطاليا اهتماما منذ مطلع ثمانينيات القرن الفائت، أي إثر
توالي موجات من المهاجرين المغاربة (نقصد المغرب الأقصى) تعود إلى السبعينيات، ثم
تلتها موجات من التونسيين مع مطلع الثمانينيات، أي قبل موجات الآسيويين والأوروبيين
الشرقيين والأفارقة والقادمين من أمريكا اللاتينية. وما إن حلّ عقد التسعينيات حتى بدأت
الكنيسة الكاثوليكية تبدي انشغالا مشوبا بالتوجس من القادمين من بلاد المغرب العربي،
خصوصا من المغرب الأقصى وتونس، لمّا كانت بعض الشرائح العمالية تتوافد على إيطاليا
بحثا عن مورد رزق في الأشغال الفلاحية والصيد البحري وحضائر البناء. مثّلت حينها
رسالة الكردينال الراحل كارلو ماريا مارتيني (ت. 2012)، رئيس أساقفة ميلانو، “نحن
والإسلام” (1990) 7 أولى محطات التوجّس في هذا الصدد. وقد تناولت الرسالة في ما
تناولت الخطوط العامة للتعامل مع المسلمين في العصر الحديث ضمن منظورين: كنسيّ
لاهوتي، تساءل فيه عمّا يمثّله الإسلام في تاريخ الخلاص بالنّسبة إلى المسيحية والوعود
والتحدّيات المترتّبة عن ذلك؛ ومدنيّ اجتماعي من خلال القول بمعيارية القبول بالتشريعات
العلمانية السائدة في إيطاليا وفي سائر البلدان الغربية، كشرط للاندماج والدمج في النسيج
الاجتماعي. وعملية احتواء المسلمين الاجتماعي، ضمن سياسة الهجرة الإيطالية، سياقٌ
يحضر ضمن انشغالات الكنيسة وأنشطتها واستراتيجياتها أيضا، نظرا لدورها البارز
وخبرتها العريقة مع المسلمين في هذا المجال وغيره.
6 انظر التقرير الإحصائي الكنَسي الأخير الصادر عن مكتبة حاضرة الفاتيكان:
Annuarium statisticum ecclesiae, Libreria editrice vaticana, Città del Vaticano, 2021.
7 C. M. Martini, Noi e l’islam, in “Il Regno-documenti” 3 (1991) 88 ss.
5
بدا وقعُ رسالة مارتيني منذ ذلك العهد جليا ومؤثّرا. فقد استعادت العديد من الشخصيات
والهيئات المسيحية الخطوط العامة مقول الرجل، ومثّلت الرسالة حجر الأساس في بلورة
منظور كنسي معاصر مثقل بالتهويمات القروسطية واليمينية غير الملائمة للتحولات
الحداثية. ففي سنة 1992 استعادت اللجنة التريفينتية للمسكونية والحوار بين الأديان
الخطوط المعلنة من قِبل الكردينال مارتيني، نُشرت في رسالة رعوية بعنوان “المسلمون
والمسيحيون في حوار” 8 ، وأعقب ذلك في العام 1993 نشر اللّجنة الكنسيّة المكلّفة
بالهجرة التابعة للمؤتمر الأسقفي الإيطالي نصّا بعنوان: “كنتُ غريبا فأحسنتم وفادتي” 9 .
ولم يحِل العام 2000 حتى أصدر مجلس إقليم إميليا رومانيا الأسقفي بإيطاليا أيضا وثيقة
“الإسلام والمسيحية” 10 ، أكّد فيها بوضوح على شرطية الإيمان المسيحي، بما يعيد جدل
قضايا الهجرة من منظور الكنيسة وفق أطر دينية مغتربة لا تتلاءم مع مجتمع باتت تحكمه
أوضاع علمانية. ولكن مع المسلمين، كان التغاضي عن هذا المنظور المغترب البائس،
وكأن الكنيسة لم تشهد تحولات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) وإصدار قراراتها
الجريئة مع المسلمين. واللافت أنه منذ ذلك العهد بدأت الكنيسة، ممثّلةً في المجلس الأسقفي
الإيطالي، تفصح عن منظور مناوئ وأكثر حدّة وانغلاق تجاه الوافدين المسلمين أمام تزايد
أعدادهم بشكل ملحوظ، وإن كانت في الخارج حينها تشهد وتحرّك استراتيجيات حوار
مكثّفة مع المسلمين. لكن الجلي في خضمّ هذه التحولات مع القادمين الجدد ومع حماس
احتفالات “اليوبيل” -حلول الألفية الثالثة- أصدر المؤتمر الأسقفي الإيطالي ضمن توجيهاته
الرعوية الخاصة بالعام 2000 وثيقة بعنوان: “التبشير بالإنجيل في عالم متغيّر”، رسمت
استراتيجيات العشرية الأولى، وتضمّنت في النقطة 58 ما يلي: “ينبغي أن نواجه محورا
مستجدّا شديد الأهمية، ذلك المتعلّق بتنصير الأفراد الوافدين علينا عبر الهجرة. فنحن
مطالبون بأداء رسالتنا بين غير المسيحيين على أرضنا. ومع إيلاء تقاليدهم وثقافاتهم
اهتماما، ينبغي أن نكون في مستوى تقديم الشهادة بالإنجيل نحوهم، وإن وجد ذلك رغبة
لديهم حريّ تبليغهم كلمة الرب” 11 . فمنذ بدايات هجرة المسلمين نحو إيطاليا لاح هاجس
توظيف عمل الإحسان (الكاريتاس)، فهو ليس عملا إنسانيا خالصا، بل يبقى اللغة الأكثر
ملاءمة لإبلاغ شهادة المسيح للمسلمين 12 . حيث تَلخّصَ الدور في تَولّي مهمة غير



إرسال التعليق