القبائل الأمازيغية الزناتية في الغرب الجزائري

عرش بني يفرن بمستغانم: من غريس وتاقدمت إلى وادي الخير 🇩🇿
التعريف والموطن
يُقصد بعرش بني يفرن بمستغانم إحدى المجموعات القبلية المحلية ذات الأصل الزناتي، التي استقرت بمنطقة الظهرة، في المجال الواقع أسفل وادي الشلف وعلى مقربة من رافده وادي الخير، شرق مدينة مستغانم.
ظهر هذا العرش في المصادر الفرنسية خلال القرن التاسع عشر ضمن المجال القبلي لأغاليك مجاهر (الذي يضم عروش هلالية و زناتية و إدريسية)، في حين تربط الرواية التاريخية أصله ببني يفرن، إحدى القبائل الزناتية التي كان لها حضور سياسي في مناطق غريس وتاقدمت.
ولا ينبغي الخلط بين عرش بني يفرن المستغانمي وبين مختلف الجماعات التي حملت الاسم نفسه في بلاد المغرب؛ فاسم بني يفرن أطلق تاريخياً على فروع ومجموعات متعددة، بينما يمثل الفرع المستغانمي مساراً محلياً خاصاً ضمن هذا الامتداد الزناتي الأوسع.
🚩 بني يفرن في غريس وبنو زروال
ترتبط إحدى الروايات التاريخية بوجود بني يفرن في سهل غريس بمعسكر، حيث كانوا من الجماعات الموجودة بالمنطقة إلى جانب بني زروال قبل توسع بني راشد.
وينقل المصدر المستند إلى رواية الشيخ أبي راس الناصري أن بني راشد، وهم من بني واسين، دخلوا منطقة غريس خلال القرن الرابع عشر، ثم أخذوا يدفعون بني زروال وبني يفرن عن المنطقة، إلى أن غادر بنو يفرن المجال تدريجياً.
وتكتسب هذه الرواية أهمية عند مقارنتها بما أورده ليون روش في القرن التاسع عشر، إذ أشار إلى وجود جماعة من بني يفرن في المنطقة الواقعة بين بني زروال والمجاهر بسفوح جبال الظهرة.
وبذلك يظهر ارتباط جغرافي لافت بين بني يفرن وبني زروال في مرحلتين مختلفتين من تاريخ الجماعة: الأولى في غريس، ثم لاحقاً في الظهرة.
👑 مرحلة تاقدمت وعبد المولى
يربط ليون روش، نقلاً عما أورده في المصادر التي اعتمد عليها، بني يفرن بالسلطان عبد المولى، الذي هُزم أمام بني زيان ولجأ إلى تاقدمت سنة 916هـ/1510م.
وبحسب هذه الرواية، أُخرج عبد المولى من تاقدمت ودُمّرت المدينة، ثم تفرّق بنو يفرن في جهات مختلفة، وهو ما يفسر، ضمن هذا الإطار الروائي، انتشار جماعات تحمل اسم بني يفرن خارج موطنها السياسي السابق.
ومن بين هذه الجماعات، يبرز الفرع الذي استقر لاحقاً في المجال الواقع بين بني زروال والمجاهر بسفوح الظهرة.
كما اعتبر ليون روش أن هذه السلالة تدخل ضمن أسلاف أسرة الأمير عبد القادر، وهي رواية كانت متداولة في القرن التاسع عشر، ولذلك ينبغي نسبتها إليه وإلى الرواية التاريخية التي نقلها، دون تقديمها باعتبارها إثباتاً قطعياً للنسب.
🏞 الاستقرار في الظهرة ووادي الخير
مع تتابع التحولات السياسية والقبلية، استقر أحد فروع بني يفرن في منطقة الظهرة، وأصبح وجوده أكثر وضوحاً في المجال المحيط بـ وادي الخير.
وفي إحصاء سنة 1844 ظهر بنو يفرن ضمن الكتلة القبلية التابعة لأغاليك مجاهر بمستغانم، إلى جانب أولاد سيدي عمار أو العمارنة، والحشاشطة وعيزب.
وبلغ مجموع هذه المجموعة 93 خيمة و558 نسمة.
وكانت أراضي بني يفرن تمتد على ضفتي وادي الخير، على مسافة تقارب 30 كلم شرق مستغانم. ويشير ظهورهم في الإحصاءات والتنظيم القبلي والإداري للمنطقة إلى أن وجودهم كان قد أصبح مستقراً ومعروفاً خلال القرن التاسع عشر، وليس مجرد إقامة عابرة.
👁👨‍👩‍👧‍👦خصوصية العرش في الرواية المحلية
احتفظت الرواية المحلية لبني يفرن بتصور يربط أصل العرش ببني يفرن القدماء، ويربط انتقاله من غريس وتاقدمت نحو الظهرة بالتحولات التي عرفتها المنطقة خلال القرون السابقة.
كما نقل ليون روش عن بني يفرن ملاحظات ذات طابع إثنوغرافي، من بينها حديثه عن الزواج داخل الجماعة، وملاحظته انتشار العيون الزرقاء بينهم، وربطه ذلك بما لاحظه في أسرة الأمير عبد القادر.
وتبقى هذه الملاحظات وصفاً إثنوغرافياً من القرن التاسع عشر، ولا يمكن اعتبارها بمفردها دليلاً علمياً على النسب أو الأصل الجيني للقبيلة.
📝 من غريس إلى وادي الخير: مسار تاريخي متصل
يمكن تلخيص المسار الذي تسمح به الروايات والمصادر المذكورة على النحو الآتي:
غريس → بني زروال وبنو يفرن → دفع بني يفرن عن غريس → مرحلة تاقدمت وعبد المولى → التفرق → الاستقرار في مجال الظهرة بين بني زروال والمجاهر → مجاهر ووادي الخير → ظهور العرش في سجلات القرن التاسع عشر.
وهكذا يظهر عرش بني يفرن بمستغانم بوصفه جماعة محلية حافظت على اسم بني يفرن داخل المجال الغربي الجزائري، وانتقل مركز وجودها، وفق الروايات المتداولة، من المجال المرتبط بغريس وتاقدمت إلى الظهرة ثم إلى منطقة المجاهر ووادي الخير، حيث أصبح العرش معروفاً ضمن التنظيم القبلي للمنطقة خلال القرن التاسع عشر.
🔃 استمرار الاسم إلى اليوم
ولم ينقطع حضور بني يفرن في المجال الذي استقروا فيه؛ إذ لا يزال دوّار بني يفرن قائماً إلى اليوم ضمن بلدية وادي الخير بولاية مستغانم، حاملاً الاسم القبلي نفسه.
كما تنسب الرواية المحلية نسبة كبيرة من سكان بلدية وادي الخير إلى هذا العرش، وهو ما يعكس استمرار الاسم في الذاكرة المحلية والمجال الجغرافي للمنطقة.
وبذلك لا يقتصر تاريخ بني يفرن بمستغانم على ظهورهم في المصادر القبلية والإدارية خلال القرن التاسع عشر، بل يمتد إلى مجتمع محلي ظل مرتبطاً باسم العرش ومجاله في وادي الخير إلى يومنا هذا.
غريس، تاقدمت، الظهرة، ثم وادي الخير؛ مسارٌ يعكس انتقال جماعة بني يفرن من مجالها التاريخي القديم إلى موطنها المستغانمي، مع بقاء الاسم القبلي حاضراً في المجال والذاكرة المحلية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك