اخر الاخبار

يحكى أن……(5) ليلى والذئب

يحكى أن……(5) ليلى والذئب

محمد عبد الكريم يوسف

قصة وعبرة للشباب

في زمنٍ صارت فيه الغابةُ شاشةً، والطريقُ تطبيقاتٍ وإشعاراتٍ، عاشت ليلى فتاةً ذكيةً، في بيتٍ صغيرٍ على أطراف المدينة. وكانت جدتها تسكن بعيدًا، في شقةٍ هادئةٍ، تحب ليلى حبًا شديدًا.

في صباح يومٍ، قالت أم ليلى:

— يا ليلى، خذي دواء جدتك، واذهبي إليها مباشرة. لا تتأخري في الطريق، ولا تتحدثي مع الغرباء، ولا تفتحي أي رابط يرسله لك أحد، ولا تشاركي عنوانك أو صورك أو رمز التحقق مع أي إنسان.

حملت ليلى هاتفها، وحقيبتها، وخرجت.

وكانت “الغابة” في هذا الزمن ليست أشجارًا وذئابًا فقط، بل إشعاراتٍ لا تتوقف، ورسائلَ من مجهولين، وإعلاناتٍ تلمع، وحساباتٍ مزيفة، وذكاءً اصطناعيًا يصنع صورًا وأصواتًا تشبه الحقيقة.

وفي الطريق، ظهر “الذئب”.

لم يكن ذئبًا بأسنانٍ وأنياب، بل كان حسابًا باسمٍ جميل: “صديق جدتك”. صورةُ الملف كانت صورةً مولّدة بالذكاء الاصطناعي: رجلٌ يبتسم، خلفه حديقة، وعلى صفحته كلماتٌ حلوة.

كتب لها:

— مرحبًا ليلى، أنا صديق جدتك. أرسلي لي عنوان الشقة، سأوصل لها الدواء قبل أن تتعب.

توقفت ليلى. كادت تجيب. لكنها تذكرت وصية أمها.

فسألته:

— ما اسم قطة جدتي؟

فلم يجب.

ثم أرسل لها رسالة صوتية. كان الصوت يشبه صوت جدتها تمامًا! صوتٌ حقيقي، بنبرةٍ حنونة، يقول:

— يا ليلى، أرسلي له العنوان، لا تخافي.

ارتجف قلبها. كادت تصدق. لكنها تذكرت أن الذكاء الاصطناعي اليوم يستطيع أن يقلّد الصوت، ويصنع صورة، ويكتب كلامًا، ويحاكي الحب والحنان.

فاتصلت بجدتها على الرقم الذي تعرفه. ردّت الجدة بنفسها:

— يا حبيبتي، أنا بخير، ولا أعرف هذا الرجل.

عندها أدركت ليلى أن الذئب لم يكن يريد الدواء، بل كان يريد عنوان جدتها، وصورها، وبياناتها، وربما أموالها، أو ما هو أخطر.

فماذا فعلت؟

لم تكمل المحادثة. لم تفتح الرابط. لم ترسل الصورة. لم تشارك الموقع. أغلقت الحساب، وأخبرت أمها، واتصلت بالحطاب الذي صار في هذا الزمن “مختصّ الأمن السيبراني”. فتابع الحساب، وأبلغ الجهات، وتبين أن الذئب كان يستخدم الذكاء الاصطناعي لانتحال الأصوات والصور، وينصب على الفتيات والعائلات.

وصلت ليلى إلى بيت جدتها سالمة. وعندما جلسنا معًا، قالت الجدة:

— يا ليلى، الذئب القديم كان يختبئ في الغابة. أما ذئب هذا الزمان فيختبئ في الشاشة، ويتكلم بلطف، ويضحك، ويقلّد من نحب.

ثم قالت ليلى:

— لكنه هذه المرة لم يسرقني. تعلمت أن أتحقق، وأن أسأل، وأن لا أثق بكل ما يلمع.

ومنذ ذلك اليوم، صارت ليلى تعلّم صديقاتها:

لا تفتحي الباب لكل من قال: أنا صديق أهلك.
ولا تصدقي كل صوت، ولا كل صورة، ولا كل رسالة.
تحققي، ثم اطمئني، ثم امضي.

دروس وعبر للشباب في عصر الذكاء الاصطناعي

1- الذئب لا يظهر بذيلٍ وأنياب

قد يظهر بحسابٍ مبتسم، وصورةٍ جميلة، وكلامٍ مؤدب.
لا تحكم على الناس بالصورة وحدها، ولا بالاسم، ولا بالمتابعين.

2-الصوت والصورة لم يعودا دليلًا

الذكاء الاصطناعي يستطيع تقليد صوت جدتك، وصورة أبيك، ووجه صديقك.
فلا تثق بالصوت وحده، ولا بالفيديو وحده.
اتصل على الرقم المعروف، واسأل سؤالًا سريًا لا يعرفه إلا أهلك.

3-لا تشارك معلوماتك الخاصة

عنوانك، مدرستك، موقعك، صورك، رقمك، بريدك، رمز التحقق، كلمات المرور.
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
هذه أبواب بيتك الرقمي.

4- لا تفتح الروابط المجهولة

قد يكون الرابط سرقة، أو فيروسًا، أو صفحة مزيفة تسرق حسابك.
ولا تحمّل تطبيقات من مصادر غير موثوقة.

5-اجعل لك “كلمة سر عائلية”

كلمة لا يعرفها إلا أهل بيتك، تسألون بها إذا شككتم في رسالة أو اتصال.
فهذا يحميك من انتحال الأصوات والصور.

6-الطريق المباشر أفضل

ليلى أُمرت أن تذهب مباشرة إلى بيت جدتها.
وأنت أيضًا: إذا كان لك هدف، فلا تتوقف عند كل إشعار، ولا عند كل تطبيق، ولا عند كل رسالة.
التركيز يحميك من كثير من الذئاب.

7-الاستئذان والخصوصية

لا تنشر صور غيرك بغير إذن.
ولا تنشر صورك أنت لكل الناس.
ما تضعه اليوم على الإنترنت قد يبقى بعد سنوات، وقد يؤذيك غدًا.

8-إذا شككت، توقف

الشك ليس ضعفًا.
الشك أول خطوة نحو الأمان.
توقف، تحقق، اسأل من تثق به، ثم أبلغ.

9- لا تخف من الإخبار

إذا أخطأت، أو وقعت في فخ، أو أرسلت شيئًا بالخطأ، فأخبر أهلك أو من تثق به فورًا.
الذئب يقوى عندما تخفي الضحية الخوف.
والشجاعة ليست في السكوت، بل في طلب المساعدة.

10-الذكاء الاصطناعي ليس ذئبًا

الذكاء الاصطناعي أداة.
منه النافع: التعليم، الطب، البرمجة، الترجمة، الإبداع.
ومنه الضار إذا استخدمه أهل الشر.
فكن أنت ممن يستخدمه في البناء، لا في الخداع، ولا في الأذى.

11- احفظ نفسك، فالنفس أمانة

لا تستهن بحياتك، ولا ببياناتك، ولا بسمعتك، ولا بقلبك.
كن حكيمًا، متوكلًا على الله، حريصًا على الأسباب.
فالله أمرنا أن نأخذ بالأسباب، وألا نلقي أنفسنا إلى التهلكة.

خاتمة

يا شباب عصر الذكاء الاصطناعي،
الذئب القديم كان ينتظر في الغابة.
أما ذئب اليوم، فقد ينتظرك في رسالة، أو تعليق، أو لعبة، أو تطبيق.
فلا تكن ليلى الساذجة التي تفتح الباب لكل من قال: “أنا أعرف أهلك”.
كن ليلى الذكية التي تسأل، وتتحقق، وتتصل، وتستأذن، وتحمي نفسها وأهلها.

واجعل شعارك:

لا تصدّق كل صوت،
ولا تفتح كل باب،
ولا تشارك كل سر.
تحقق أولًا، ثم امضِ آمنًا.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك