أزمة أدعياء الديمقراطية.. مكيالان وسيف مقلوب

المقدمة:

حين يُحرق مواطن بالبنزين في قرية من قرى وطننا العربي الكبير، كما يحدث اليوم وكما حدث في الأمس القريب والبعيد، وتُذبح طفلة بريئة على تراب أي بلد من بلداننا، وتُحرق غاباتنا وتتفحم بهائمنا، وتغرق ساحاتنا بأطنان المهلوسات في كل زمان ومكان؛ فإن الضمير الإنساني يهتز لصور القتل والوحشية التي لا تستثني روحاً ولا شجراً. ولكن الأدهى من الجريمة ذاتها، هو ذلك الصوت المبحوح الذي يعلو من خلف المحيطات، يرفع شعارات “حقوق الإنسان” و”العدالة الجنائية” ليس دفاعاً عن الضحايا، بل مطالباً بالتروي عن القتلة، ومحاولاً إسقاط أدوات الردع من يد الدولة باسم أخلاقيات واهية. هنا تبرز أزمة أدعياء الديمقراطية؛ حيث يُقلبون الموازين، ويجعلون الجلاد ضحية، والثكلى متهمة، ويبيعون دماء الأبرياء ثمناً لصفقاتهم السياسية الحقيرة.

أولاً: الجريمة بكل بشاعتها تستوجب القصاص بكل حزم

إن حرق إنسان حياً، وتقطيع الجثث، وقتل الطفولة الصغيرة البريئة، ليست جرائم عابرة ولا وليدة اليوم، بل هي وحشية تقشعر لها الأبدان وتكررت في تاريخ البشرية منذ القِدم. إنها تمثل انهياراً لكل القيم الإنسانية والدينية قبل أن تكون خرقاً للقوانين. من يرتكبها لا يستحق مواربة ولا تراخياً، بل يستحق أشد العقوبات رادعاً، ليس انتقاماً شخصياً، بل حمايةً للأمن المجتمعي وإعلاءً لهيبة الدولة في حفظ أمن مواطنيها. فالعدالة هنا ليست كرهاً، بل واجباً، وترك الجاني دون قصاص هو إهدار لحرمة الدماء وفتح للباب أمام الفوضى والثأرات القبلية.

ثانياً: انكشاف المكيالين الغربي

لكن العجيب أن أولئك الذين يرفعون راية “مناهضة عقوبة الإعدام” في بلداننا، هم أنفسهم من يطبقون أشد العقوبات في بلدانهم حين يمس أمنهم القومي أو حياة رعاياهم. يشنون غاراتهم، وينفذون إعداماتهم الميدانية، ويصفونها بـ”حق الدفاع عن النفس” و”مكافحة الإرهاب”، ولا يحرك فيهم ساكناً ضمير أخلاقي ولا حقوقي. إنهم يكيلون بمكيالين: يسلموننا سيف الحجاج ليرهبوننا به عن القصاص، بينما يذبحون خصومهم بأقسى أنواع العقاب دون أن ينبس أحد ببنت شفة. هذا النفاق المكشوف هو الذي يكشف أن خطابهم ليس عن حب للدم البشري، بل عن كراهية لاستقلال قرارنا وسيادة دولنا.

ثالثاً: القتلة مجرد أداة، والهدف إضعاف الدولة

إن المدافعين عن هؤلاء القتلة لا يهتمون بدم الضحية، بل يستغلون الجاني كورقة ضغط سياسية لإحراج الدولة وإبقائها تحت طائلة الاتهام الدولي. يريدون للدولة أن تكون عاجزة عن حماية شعبها، لكي تظل ضعيفة أمام إملاءاتهم وسيطرتهم. يصرخون في وجه الدولة حين تنتقم، ويصمتون طويلاً حين تُذبح الأوطان وتُحرق الغابات، وهذا دليل قاطع على أن ميزانهم الأخلاقي معطل، وأن عدالتهم المزعومة خصم سافر للحق والقصاص.

رابعاً: السلاح الحقيقي هو القانون الشفاف

ولكن الدولة الواعية لا ترد على هذا النفاق بالانفعال العابر، بل ترد بتطبيق القصاص بالقانون المحكم. فهي حين تنفذ العقوبة بعد محاكمة علنية شفافة، وتُشهر الأدلة الدامغة أمام الكاميرات، فإنها تجرد هؤلاء المدعين من حجتهم الوحيدة، وتكسر سيف الحجاج الذي يلوحون به. عندما يُعدم الجاني بعد أن يعترف بجريمته في بث مباشر، وبعد أن ترى العالم كله أدانته القطعية، فإن “أدعياء حقوق الإنسان” سيسقط قناعهم الأجوف: إما أن يصمتوا، فيكون صمتهم اعترافاً بفضيحتهم، وإما أن يصرخوا، فيثبتوا للعالم أنهم يتاجرون بدم القتلة لا بدم القتلى.

الخاتمة:

إنها أزمة أدعياء الديمقراطية بامتياز؛ حيث تُغلظ قيمة دم القاتل وترخص دماء الأبرياء، وتكون “حقوق الإنسان” سلاحاً ضد الدولة التي تحمي شعبها، لا سلاحاً في وجه الجلادين. لكن أبناء هذه الأمة يعرفون أن كرامتهم لا تُشترى، وأن أمنهم ليس محلاً للمزايدة، وأن القصاص واجب مهما علت أصوات الناعقين. نحن لا ننتظر إذنكم لتطبيق عدلنا، وكفى باليقين القانوني حجةً، وبالقصاص المنصف رادعاً، وبصمتكم الخائن عن جرائم غيركم شهادة إعدام نهائية على ضمائركم الميتة. وحياة من أُحرق بالبنزين ومن ذُبحت طفولتهم عبر العصور، سنمضي في طريق العدل، لا نبالي بمن يلوح بسيفه، فسيف القانون أطول وأمضى.


الأستاذ حشاني زغيدي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك