اخر الاخبار

حين تصبح البروتوكولات أهم من المواطن

حين تصبح البروتوكولات أهم من المواطن

رشيد مصباح (فوزي)

بالأمس قادتني رفقة أسرتي الصغيرة إلى عاصمة الولاية، سوق أهراس، في رحلة كان يفترض أن تكون عادية.

لكن يبدو أن كلمة «عادية» أصبحت في بعض تفاصيل حياتنا اليومية كلمة تحتاج إلى كثير من الحظ.

حرصتُ على أن أكون في الموعد مع القطار القادم من تبسة، والذي كان من المفترض أن ينطلق من مداوروش على الساعة السادسة والنصف صباحًا 06:30.

انتظرنا…

وانتظرنا…

ثم وصل القطار متأخّرًا بما يقارب نصف ساعة.

قلتُ في نفسي: ربما للأمر علاقة بتغيّر الموسم أو الفصل. فنحن مع الدخول الاجتماعي وبداية فصل الخريف، ولعل مواعيد القطارات تتأثّر هي الأخرى بتغيّر المناخ الإداري!

ركبنا العربة الأولى، حرصًا على الابتعاد عن الفوضى والتزاحم، وعلى ما توفّره عادة من راحة للعائلات.

لكننا وجدنا أنفسنا أمام عربة مختلفة تمامًا عن تلك التي اعتدنا عليها.

كراسٍ شبه بلاستيكية، موضوعة بطريقة تجعلني أتساءل إن كنتُ في قطار فعلًـا أم في مقهى شعبي قرّر، لسبب مجهول، أن يتحرّك بنا نحو سوق أهراس.

ومع ذلك، وصلنا.

وهذه في حد ذاتها نعمة تستحق التسجيل!

وصلنا حوالي الساعة الثامنة وبعض الدقائق، بعد أن أجبرت بعض الظروف القطار على تخفيض سرعته في أماكن مختلفة.

قلنا: المهم أننا وصلنا.

فالخدمات عندنا تُقاس أحيانًا بالقاعدة الذهبية: ”لا تسأل متى وصلت… اشكر الله أنك وصلت!“

غادرنا المحطة متوجّهين إلى محل المرطّبات المعروف قبالة حي بودزيرة، وهو المحل نفسه الذي اعتدنا عليه منذ سنوات.

وفي الطريق كان علينا، كالعادة، أن نعبر المدار المعروف بالقرب من الجسر.

وهنا وجدنا أنفسنا أمام خيار حضاري من الطراز الرفيع:

إما أن نقطع الطريق رغم خطورته، أو ندخل بين حاويات القمامة والأوساخ المتناثرة داخل المدار.

اخترنا قطع الطريق رغم خطورته؛ فالموت تحت عجلات السيارات، في نهاية المطاف، أكثر أناقة من الموت اختناقًا بين القمامة!

وصلنا إلى محل المرطّبات، فقال لي صاحبه إن الصّانع تأخّر قليلًـا، وطلب منا العودة بعد ربع ساعة.

خرجنا.

عدنا بعد نصف ساعة.

لم نجد الصانع.

خرجنا مرة أخرى.

عدنا بعد نحو عشرين دقيقة.

وكان الاعتذار نفسه في انتظارنا.

الصانع لم يصل بعد.

هنا بدأتُ أتساءل:

_ هل نحن أمام محل مرطّبات أم أمام مؤسسة عمومية في يوم استقبال المواطنين؟

بحثنا عن محل آخر، لكنني، بحكم خبرتي المتواضعة، لم أعثر على مرطّبات بالجودة نفسها التي يقدّمها المحل الذي اعتدنا عليه.

عدتُ إليه وطلبتُ من صاحبه أن يدلّني على محل قريب يقدم جودة مماثلة.

فأرشدني إلى محل في وسط المدينة، مقابل ساحة الاستقلال، المعروفة تاريخيًا أيضًا باسم ساحة «طاغاست»، والتي يسمّيها أهل المدينة «السّردوك».

انتقلنا إلى المكان بعد معاناة أخرى مع حركة المرور والرصيف الضيّق، الذي يجبرك أحيانًا على المشي وسط الطريق تفاديا للإزدحام.

وهنا أيضًا يبدو أن التخطيط الحضري يطلب من المواطن أن يكون رياضيًا حتى يتمكّن من ممارسة حقّه في المشي!

وصلنا إلى المحل.

كان جميلًـا ومرتّبًا في الظاهر، رغم بعض الأوراق والفضلات المتناثرة هنا وهناك.

اخترنا أريكة في أحد الأركان وجلسنا نأكل.

لكن ما إن جلسنا حتى اكتشفنا أن هناك زبائن آخرين سبقونا إلى المكان، وإن كانوا أكثر خفة وأقل احترامًا لقواعد الحجز.

إنه ذباب الخريف.

وذباب الخريف، لمن لا يعرفه، ليس كذباب الصيف.

إنه أقوى بكثير، وأكثر إصرارًا، وربما أكثر ثقة بنفسه وبحقوقه في مشاركة الآخرين!

انتظرنا طويلًـا.

لم يأتنا أحد.

ذهبتُ بنفسي إلى الـ«كونتوار»، وحملتُ بعض قطع المرطّبات.

كانت الشهية قد بلغت أقصى درجاتها.

لكن ما إن حملتُ إحدى القطع حتى سالت الكريمة البيضاء اللزجة بين أصابعي، ووصل بعضها إلى فمي، ثم ساهمت في تلطيخ المكان من حولي.

في تلك اللحظة لم أعد أعرف إن كنتُ آكل المرطّبات أم أن المرطّبات هي التي تأكلني.

لكن المشهد أعادني فجأة إلى بيان قرأتُه قبل أيام عن لقاء رسمي جمع السيد عبد الكريم زيناي، والي ولاية سوق أهراس، بعدد من ممثلي التجّار والحرفيين.

وجاء في البيان المنشور على صفحة الولاية أن السيد الوالي استقبل يوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 الأمين الولائي للاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين وبعض أعضائه، بحضور رئيس الديوان ومدير التجارة.

وخلال اللقاء، تم الاستماع إلى انشغالات ممثلي التجار والحرفيين، ولا سيما ما تعلق بضمان التموين المنتظم للأسواق، مع التأكيد على أهمية التنسيق والتشاور بين مختلف المتدخلين، قصد ضمان توفير المواد الغذائية واسعة الاستهلاك عبر إقليم الولاية، والحفاظ على استقرار السوق وتلبية احتياجات المواطنين.

كل هذا جميل.

بل جميل جدًا.

فالكلمات الرسمية عادة لا تعاني من أيّ نقص في ”الجودة“.

لكن ما لفت انتباهي أكثر كان ما جاء في ختام البيان:

«وفي ختام اللقاء، قام الأمين الولائي للاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين بتكريم السيد والي الولاية والسيد مدير التجارة، عرفانًا وتقديرًا للمجهودات المبذولة في مرافقة التجار والحرفيين، ودعم نشاطهم، وضمان استمرارية التموين بالمواد الأساسية عبر مختلف مناطق الولاية.»

وهنا، وأنا أقرأ عبارة «التكريم» و«المجهودات المبذولة» و«ضمان استمرارية التموين»، تذكّرتُ القطار المتأخّر.

وتذكرتُ الرّصيف..

وتذكّرتُ القمامة…

وتذكّرتُ محل المرطّبات..

وتذكّرتُ الصّانع الذي لم يصل..

وتذكّرتُ الذُّباب..

وتذكّرتُ الكريمة التي اختارت أن تسلك طريقها الخاص…

طرحتُ على نفسي سؤالًـا بسيطًا:

أين مكان المواطن في كل هذه البروتوكولات؟
أين هو ذلك المواطن الذي يُذكر في البيانات بعبارات جميلة من قبيل «تلبية احتياجات المواطنين»؟

هل يُفترض به أن يكتفي بقراءة البيان؟

هل يكفي أن يعرف أن المسؤولين اجتمعوا، وأن التجّار عبّروا عن انشغالاتهم، وأن الجميع تبادل عبارات الشكر والتقدير، ثم عاد كل طرف إلى مكتبه أو محله؟

وماذا عن المواطن الذي ينتظر النتيجة؟

لا نحتاج إلى أن نُقال لنا إن الخدمة تحسنت.

نريد أن نلمس التحسّن.

لا نحتاج إلى صور الاجتماع.

نحتاج إلى أن يكون واقع المواطن نفسه هو الصورة التي تستحق النشر.

فما قيمة أن نتحدّث عن احترام البيئة، بينما يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى المرور وسط الأوساخ؟

وما قيمة الحديث عن تحسين الخدمات، إذا كان القطار لا يحترم موعده؟

وما معنى «مرافقة المواطن» إذا كان المواطن هو آخر من يُسأل عما يحتاجه؟

ربما آن الأوان لأن نضيف إلى قاموس الإدارة مصطلحًا جديدًا: «النتيجة الميدانية».

فقد يكون الاجتماع ناجحًا جدًا على الورق، بينما يكون المواطن قد خرج منه، بطريقة أو بأخرى، صفر اليدين.

وقد يكون البيان رائعًا، بينما الرصيف لا يزال ضيّقًا.

وقد يكون التموين «مستقرًا» في البيان، بينما المواطن يبحث عن «الوفرة» في الواقع.

وقد يكون كل شيء «تحت السيطرة»…

إلّـا الذّباب!

ولا أقصد من هذا التقليل من أهمية الاجتماعات الرسمية أو التنسيق بين السلطات والتجار والحرفيين.

هذه أمور ضرورية.

لكن الضروري أيضًا هو ألّـا تتحوّل الوسيلة إلى غاية في حد ذاتها؛

فالاجتماع وسيلة للتشاور وتبادل الآراء..

والتكريم وسيلة للتشجيع..

والبيان وسيلة إعلامية للنشر والتوعية…

أما الغاية، فينبغي أن تكون شيئًا أهم: أن تتحسن حياة المواطن.

لأن المواطن لا يأكل البيانات، ولا يركب الصور، ولا يسير فوق عبارات المجاملة.

هو يريد قطارًا يصل في موعده..

يريد رصيفًا يستطيع المشي فوقه بأمان..

يريد شارعًا نظيفًا..

يريد خدمة تحترم وقته..

يريد منتجًا يحترم صحته وماله…

وربما ينبغي، في نهاية كل اجتماع رسمي، أن يُطرح سؤال واحد قبل التقاط الصورة الجماعية: -ماذا سيتغيّر في حياة المواطن ابتداءً من الغد؟

إذا كانت الإجابة واضحة، فليُلتقط ما شئتم من الصور.

أما إذا لم تكن هناك إجابة، فقد يكون من الأفضل أن نؤجّل الصور قليلًـا.

فالمواطن لا يحتاج إلى صورة جديدة مع المسؤولين، بقدر ما يحتاج إلى واقع جديد.

والنهضة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، ولا بعدد البيانات، ولا بعدد التكريمات.

النهضة تبدأ عندما يصبح الواقع أفضل من البيان الذي يتحدّث عنه.

وحينها فحسب، ربما نستطيع أن نقول إن البروتوكول أدى وظيفته.

أما أن يصبح البروتوكول أجمل من الواقع، والصورة أنظف من الشارع، والبيان أسرع من القطار…

فقد نصل يومًا إلى مرحلة يصبح فيها المواطن مضطرًّا إلى انتظار بيان رسمي يثبت له أن حياته تحسّنت!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك