اخر الاخبار

فرنسا ورهان الصمود: هل تشهد “الجمهورية الخامسة” بداية الانهيار؟

ماريا خوررخي * مترجم

تعيش فرنسا في السنوات الأخيرة واحدة من أعقد المراحل في تاريخها السياسي والاجتماعي الحديث. فبينما يتردد مصطلح “انهيار الجمهورية” في أدبيات التحليل السياسي ومنابر الإعلام، لا يبدو الأمر مجرد مبالغة صحفية أو شعار انتخابي تُردده أطراف المعارضة، بل يُعبر عن أزمة هيكلية عميقة تجتاح مؤسسات “الجمهورية الخامسة” التي أرسى قواعدها الجنرال شارل ديغول عام 1958.

تتقاطع في المشهد الفرنسي الراهن أزمات سياسية، واقتصادية، ومجتمعية حادة، تساءل في جوهرها قدرة النظام السياسي الحالي على التكيف مع تحولات القرن الحادي والعشرين.

أزمة الشرعية وشلل المؤسسات السياسية

تُعد الأزمة السياسية الراهنة المحرك الأساسي لحديث الانهيار. لقد أفرزت الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة مشهداً نيابياً شديد التفتت والاستقطاب، حيث فقدت الأغلبية الرئاسية قدرتها على التمرير السلس للقوانين، وتراجعت المساحات التوافقية بين اليمين واليسار.

  1. تآكل العقد السياسي: يعاني النظام الرئاسي الفائق (Hyper-présidentiel) من عزلة شائعة بين قمة السلطة والشارع. لجوء الحكومات المتعاقبة المتكرر للمادة (49.3) من الدستور لتمرير مشاريع قوانين مثيرة للجدل (كقانون التأمين الصحي أو التقاعد) دون تصويت برلماني، أضعف الشرعية الدستورية وزاد من حدة الغضب الشعبي.
  2. غياب البديل الجامع: أدى تراجع الأحزاب التقليدية (الاشتراكيون والجمهوريون) إلى بروز قطبين راديكاليين: أقصى اليمين بقيادة “التجمع الوطني”، وأقصى اليسار ممثلاً في “فرنسا الابية”. هذا التقطب أعدم مركز الثقل السياسي وصعّب تشكيل حكومات قوية ومستقرة.

التفكك المجتمعي وصعود “فرنسا المجزأة”

في كتابه الشهير “L’Archipel français” (الأتول الفرنسي)، وصف عالم الاجتماع جيروم فوركيه المجتمع الفرنسي بأنه لم يعد مجتمعاً متماسكاً، بل تحول إلى أخباط أو أرخبيل من المجموعات المنفصلة التي تعيش جنباً إلى جنب دون قيَم مشتركة.

  • أزمة الضواحي والاندماج: لا تزال الضواحي الفرنسية (Les Banlieues) تُشكل قنبلة موقوتة، حيث تعاني من التهميش الاقتصادي وتدني الخدمات العامة، مما يغذي الانقسامات الهوياتية والصراعات مع أجهزة الدولة الأمنية.
  • الانقسام الطبقي والجغرافي: اتسعت الفجوة بين المدن الكبرى (المستفيدة من العولمة) وبين “فرنسا الهامشية” (المناطق الريفية والمدن الصغيرة) التي تشعر بالاجتثاث والتخلي التنموي، وهو ما تمثل سابقاً في حراك “السترات الصفراء”.

التراجع الاقتصادي وضغوط الدين العام

تتزامن الأزمة السياسية مع مؤشرات اقتصادية مقلقة تُقيد حركة أي حكومة قادمة:

  • تفاقم الدين العام: تجاوز الدين العام الفرنسي مستويات قياسية (يتجاوز 110% من الناتج المحلي الإجمالي)، مما يضع البلاد تحت مجهر مؤسسات التصنيف الدولي والفيصل الأوروبي، ويحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة.
  • تراجع النموذج الاجتماعي: يفخر الفرنسيون بنظامهم الرعاية الاجتماعي التاريخي، لكن هذا النظام أصبح يعاني من عجز مالي بنيوي. محاولات الإصلاح تُقابل برفض نقابي وشعبي عارم، مما يضع الدولة بين فكي التراجع الاقتصادي أو التفجر الاجتماعي.

انحسار النفوذ الجيوسياسي

لا تنفصل الأزمة الداخلية عن التحولات الخارجية؛ ففرنسا تشهد تراجعاً متسارعاً لنفوذها التقليدي، لا سيما في غرب إفريقيا حيث تهاوت المنظومة “الفرنكوفونية” لصالح قوى دولية وإقليمية جديدة. هذا الانكماش الخارجي ينعكس سلباً على الشعور القومي الفرنسي، ويزيد من إحساس الشارع بالأفول الاستراتيجي.

انهيار أم إعادة تشكيل؟

إن الحديث عن “انهيار فرنسا” لا يعني بالضرورة زوال الدولة أو السقوط المفاجئ لمؤسساتها، بل يشير إلى نهاية الصلاحية البنيوية للجمهورية الخامسة بصيغتها الحالية.

فرنسا اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي: إما الذهاب نحو إصلاحات دستورية جذرية تؤسس لـ “جمهورية سادسة” تحسن التمثيل السياسي وتُعيد بناء العقد الاجتماعي والشرعية الشعبية، أو الاستمرار في سياسة الترقيع وإدارة الأزمات، وهو الخيار الذي قد يدفع البلاد نحو انزلاقات شعبوية وحالة دائمية من عدم الاستقرار.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك