صراخ أهل غزة سمعه أهل السماء.. يا عرب

هناك أصوات لا تقوى الجدران على حبسها، وهناك صرخات ليست ككل الصرخات.. إنها تلك التي تُطلق حين تتساوى الحياة والموت تحت ركام بيوت كانت يوماً تضج بالدفء والأحلام. في غزة، لم تعد الفاجعة تُقاس بعدد الشهداء فحسب، بل بطبيعة ذلك الصوت المرعب الذي يرتفع كل ليلة من بين الحطام، صرخات ممزوجة برائحة البارود والدماء، تخترق طبقات الأرض، وتعبر سحب الدخان الأسود، لتطرق أبواب السماء المفتوحة على الجرح العظيم.
إنها صرخات تستقرئ العدالة الإلهية حين تُغلق دونها كل الأبواب الأرضية؛ أصوات أطفال أكلت النار براءتهم، وأمهات يفتشن عن أشلاء أبنائهن بأعواد الأراك والدموع، ورجال يسندون جدران بيوت سقطت فوق رؤوس عائلاتهم. صراخ ثقيل، مرعب، ومفزع لدرجة تجعل الملائكة تقف ذهولاً أمام قسوة الأرض وهوان البشر!
صمت الأرض المطبق.. وهدير السماء المشتعل
المرعب في مأساة غزة ليس فقط هول القصف والتدمير، بل ذلك التباين الكوني المخيف؛ فبينما يرتفع صراخ المظلومين هناك ليملأ الآفاق، تعيش الأرض الأخرى في حالة من الصمت المخزي.
يا عرب.. ألا تسمعون؟ أم أن طبقات الجليد التي تراكمت على الضمائر قد حوّلت القلوب إلى حجارة أشد قسوة؟ كيف تستطيع عواصمكم أن تنام، وأضواء الحفلات واللقاءات المزيفة تضيء لياليكم، بينما هناك أناس يُحرقون أحياء في خيام من ورق ونايلون؟ كيف تمرّ نداءات الاستغاثة عبر أجواء بلادكم فلا تحرك فيكم ساكناً، وكأن الصراخ قادم من كوكب آخر؟
لقد تجاوزت الحرب معاني السياسة والاستراتيجيات العسكرية؛ لقد تحولت إلى اختبار إنساني كوني سقطت فيه كل الشعارات، وبات فيه الصامت شريكاً، والمتخاذل قاتلاً بالوكالة.
عندما تعلو الشكوى إلى ديوان الملك العادل
حين تُوصد دونك كل الأبواب، ولا تجد أخاً يشدّ عضدك، ولا جاراً يغيث لهفتك، لا يبقى أمام المظلوم سوى وجه السماء. وفي غزة، باتت السماء هي الملجأ الوحيد، والسميع الأوحد الذي لا تأخذه سنة ولا نوم عن أنين الثكالى وفجائع الأبرياء.
لكن اعلموا، يا من تتفرجون على المأساة كأنها مسلسل درامي عابر، أن الأصوات التي ترتفع إلى السماء لا تضيع؛ إنها تُكتب بحبر الدم والظلم، وإن صرخات أهل غزة التي تتجاوز حجب الأرض ستلقى استجابتها حتماً في ديوان لا يظلم فيه ربك أحداً.
حين ينطق التاريخ، وحين تفتح دفاتر الحساب الكوني، لن يغفر العرش العظيم لكل من سمع صراخ طفل يُحرق ولم يمدّ يداً، ولكل من سكت وهو يقدر على الكلام، ولكل من باع دم المظلومين بسوق المصالح الرخيصة.
يا عرب.. إن السماء قد سمعت.. فانتظروا ما تزلزل له الأرض!



إرسال التعليق