المغرب ..عندما تصبح سيادة القرار ثمنًا لصفقات الوهم والتطبيع!
داود مراد
في الوقت الذي تمر فيه المنطقة المغاربية والعربية بمنعطفات حساسة تفرض على الدول رص الصفوف وحماية مقدرات الشعوب، تواصل الرباط السير بخطى حثيثة نحو تعميق ارتباطها الاستراتيجي والعسكري مع تل أبيب. فقد أفادت تقارير صحفية إسبانية، أبرزها ما نشرته صحيفة “إل إسبانيول”، عن وجود مفاوضات متقدمة لاقتناء منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الإسرائيلية المتقدمة «مقلاع داوود»، إلى جانب اهتمام بـصواريخ «لورا» الباليستية، في حلقة جديدة من مسلسل التغلغل العسكري الإسرائيلي في البنية الأمنية للمغرب، وهو تعاون تخطت قيمته ملياري دولار منذ اتفاقيات التطبيع المشؤومة عام 2020.
هذا التوجه نحو بناء شبكة دفاعية متعددة الطبقات — تضم «باراك إم إكس» و«سبايدر» واليوم «مقلاع داوود» و«لورا» بمباركة أمريكية عبر خارطة طريق عسكرية تمتد حتى عام 2036 — يطرح علامات استفهام كبرى حول الجدوى الاستراتيجية، والثمن السياسي والاقتصادي الباهظ الذي تدفعه الخزينة المغربية والشعب المغربي نظير أوهام تفوق عسكري وهمي.
أولاً: تبديد مقدرات الشعب في سوق الأسلحة الباهظة
تأتي هذه الصفقات المليارية في وقت تعاني فيه الطبقات الوسطى والفقيرة في المغرب من غلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتحديات تنموية واجتماعية ملحة في قطاعات الصحة التعليم والتشغيل. إن تخصيص مليارات الدولارات لشراء منظومات دفاعية معقدة — حيث يُقدر ثمن الصاروخ الواحد لمنظومة “مقلاع داوود” بنحو مليون يورو — يعكس أولويات مقلوبة تضع المباهاة الإقليمية واسترضاء الحلفاء الخارجيين فوق أولوية التنمية البشرية والأمن الاجتماعي للمواطن.
بدل أن تُستثمر هذه الأموال في بناء اقتصاد قوي ومستقل يعتمد على الإنتاج والابتكار، يتم استنزافها في استيراد حديد مستورد من ترسانات دولة تقوم بجرائم حرب يومية ضد الأشقاء في فلسطين، مما يضع النظام المغربي في مواجهة أخلاقية مباشرة مع ضمير شعبه العروبي والإسلامي الرافض لكل أشكال التطبيع.
ثانياً: رهن السيادة الوطنية للخارج
إن الاعتماد على تكنولوجيا عسكرية إسرائيلية، تتطلب بالضرورة موافقة أمريكية (نظراً لمشاركة شركة “رايثيون” في التطوير)، يعني بوضوح نزع استقلالية القرار العسكري الوطني.
حين ترتبط منظوماتك الاستراتيجية والدفاعية الحساسة ببرمجيات وشفرات وخبرات تشغيل أجنبية وإسرائيلية، فإنك لا تحمي سيادتك بل ترهنها. هذه المنظومات لا تمنح سيادة، بل تكرس التبعية؛ فهي تخضع لرقابة و”فيتو” صانعها الأصلي، وتصبح في لحظات الأزمات الحقيقية مجرد قطع حديدية معطلة إذا ما قررت واشنطن أو تل أبيب ذلك. إن السيادة الحقيقية لا تُشترى من رفوف المصانع الأجنبية، بل تُبنى بعقول أبناء الوطن وصناعاتهم الذاتية.
ثالثاً: تسعير سباق التسلح الإقليمي وتسميم الأجواء المغاربية
إن الاندفاع المحموم نحو شراء أسلحة هجومية ودفاعية بعيدة المدى (مثل صواريخ “لورا” التي يتجاوز مداها 400 كم، ومنظومات اعتراضية متطورة) لا يفعل سوى صب الزيت على النار، وتأجيج سباق تسلح مدمر مع الجيران في المنطقة المغاربية، وعلى رأسهم الجزائر.
إن استراتيجية إدخال قوى إقليمية ودولية عدوانية مثل إسرائيل إلى حديقة المغرب الخلفية تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي المغاربي ككل. فبدل توحيد الجهود لمواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية والأمنية المشتركة، تختار الرباط تحويل أراضيها إلى منصة لتجربة الأسلحة الإسرائيلية، وإلى قاعدة متقدمة لتحالفات مشبوهة لا تخدم سوى أجندات الهيمنة الغربية والصهيونية في المنطقة.
إن سياسة الرهان على التسلح المفرط والارتباط بالكيان الإسرائيلي تحت غطاء “تحديث القدرات الدفاعية” لن تفعل سوى إدخال المغرب في دوامة من التبعية الاستراتيجية، وإهدار ثروات الأجيال القادمة في صفقات لا تحمي وطناً ولا تصون كرامة.
الأمن الحقيقي لا يُستورد بصفقات المليارات، ولا يُبنى بتحالفات مع دولة محتلة، بل يُستمد من جبهة داخلية متماسكة، وعدالة اجتماعية، وثقة شعبية حقيقية، واستقلال وطني ناجز لا يقبل المساومة ولا التبعية!



إرسال التعليق