المقادير الإلهية وعقيدة الاستدراج: كيف يكتب الطغاة نهاياتهم بأيديهم؟

نوري علي

من أعمق الإيمانيات التي يربّي عليها القرآن الكريم قلوب المؤمنين، الاستيقانُ بأنّ حركة التاريخ ليست مصادفات عابرة، وأنّ وراء المشهد الدنيوي المعقد يدًا لطيفةً حكيمة تدبّر الأمر من فوق سبع سموات. فالتقديرات الربانية يقينٌ يرفع جرعات الإيمان في قلوب المستضعفين، حين يرون بأمهات أعينهم كيف يَقودُ العلوُّ والاستكبارُ أصحابَهُ إلى الانكشاف والتخبط.

لو تأمل المرء في المسار السياسي للمشروع الصهيوني، لربما أدرك شيئاً من تلك الحكمة البالغة؛ ففي تسعينيات القرن الماضي، كان يعتلي المنصة رجلٌ مثل إسحاق رابين، ينسج للغصب ثوباً من “السلام الناعم”، ويسحب البساط تحت غطاء الدبلوماسية ليصنع لإسرائيل قبولاً دولياً ممتداً بأقل التكاليف. لكن التقدير الإلهي مضى ليتأكد العلوّ الأخير؛ فاغتيل رابين على يد بنيامين غولدشتاين وتيار اليمين المتطرف، لتتغير بوصلة الكيان بدخول عصر بنيامين نتنياهو وحلفائه من غلاة المتطرفين.

إنها الحكمة التي تختصرها القاعدة القرآنية: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾؛ فقد قادت مقادير الله هذا الكيان من مرحلة “التسويق الدبلوماسي” إلى مرحلة الاستكبار العاري الذي يقدم فيه الكيان نفسه للعالم بأقبح وجوهه وأشدها غلوّاً.

سيناريو الهوك ورصاصة الرحمة: الاستدراج في أبهى صوره

إن الاستدراج في مفهوم الدين ليس مجرد إمهال، بل هو تمكين الظالم من أسباب قوته وطغيانه حتى ينعمي بصيرته ويظن أنه قادر على كل شيء، كما قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.

إن ما شهده العالم على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد خطاب سياسي لرئيس حكومة، بل كان تجسيداً مشهوداً لغياب الرشد وانكشاف الهيبة:

  • خسر القاعة فطرد المقاعد: حين انسحبت عشرات الوفود الدولية رفضا للإجرام، لم يراجع المستكبر نفسه، بل صرخ خلف المقاعد الفارغة بصلفٍ يناقض المنطق البشري، مكرساً عزلة دولية غير مسبوقة.
  • الاستعانة بـ “الاستعراض المسرحي”: رفع أجهزة “البيجر” وأجهزة “ستارلينك” أمام أعلى منظمة أممية ليس دليل قوة، بل سلوك عاجز يعتمد على الصدمة واستفزاز الآخرين بعد أن سقطت كل الحجج الأخلاقية والقانونية.
  • القفز فوق التاريخ والقانون: حين تستند الدولة المحتلة إلى النصوص الدينية المجزأة والقرون القديمة لصناعة شرعية سياسية في القرن الحادي والعشرين، تكون قد انتقلت رسمياً من القانون الدولي إلى منطق الأساطير، معترفةً بضيق الخيارات أمامها.
  • توسيع الجبهات وانعدام التوازن: فتح الجبهات الكلامية مع الشرق والغرب، والجمهور والإعلام، والجامعات والدول (من قطر إلى تركيا إلى فرنسا وبريطانيا)، هو العارض الأبرز لـ “فقدان رباطة الجأش”، حيث يرى الطاغيةُ العالمَ كلّه متآكلاً ومذنباً، إلا نفسه.

سنن الله لا تتخلف: الباطل يبتلع نفسه

إن المتأمل بعين الإيمان واليقين يعلم أن الطغيان عندما يصل إلى هذه المرحلة من التخبط والاستعلاء — حين يرغب في إعادة رسم عقول الشعوب بالسحق وتوهّم تحويل الضحايا إلى أصدقاء بالإكراه — فإنه يبدأ مرحلة التآكل الذاتي.

لم يعد العالم أمام كيان يثق بمستقبله أو يتحدث بلغة “الدولة المستقرة”، بل أمام قيادة مضطربة تحاكم المنظومة الدولية بأسرها لأن القاعة لم تعد تصفق لها. وهذه هي بداية النهاية في سنن الله الجارية في الأرض؛ فالظلم إذا تناهى استدعى حتفه، والاستكبار إذا أعمى بصيرة صاحبه جعله يصب الزيت على ناره بيده.

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. يقيننا بالله أن مقاديره نافذة، وأن ليل الظلم مهما تطاول، فإن سنن الباري في صرع المستكبرين لا تتخلف.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك