خطأين كبيرين وقع فيهما دونالد ترامب

​في السياسة، كما في الحرب، هناك قاعدة ذهبية تقول: “من السهل أن تبدأ حرباً، لكن من المستحيل أن تقرر كيف ومتى تنتهي”. يبدو أن الرئيس “دونالد ترامب” قد تناسى هذه القاعدة وهو يندفع نحو مواجهة شاملة مع إيران، واعداً الناخب الأمريكي بحرب “سريعة، نظيفة، وقليلة التكلفة”. واليوم، وبعد أسابيع فقط من اندلاع الشرارة الأولى، يجد “سيد البيت الأبيض” نفسه عالقاً في عاصفة لم تكن في حسبانه، حيث فقدت واشنطن السيطرة على إيقاع المعركة، وانقلبت الطاولة على رأس الجميع.
​1. وهمُ “النصر النظيف” وحقيقة المستنقع
​دخل ترامب هذه الحرب بعقلية “رجل الأعمال” الذي يظن أن القوة العسكرية المفرطة ستحسم الملف في أيام. لكن الحقيقة الميدانية جاءت صادمة؛ فلا المواقع النووية دُمّرت بالكامل، ولا الترسانة الصاروخية الإيرانية توقفت. بدلاً من “صورة النصر” التي كان يخطط لتسويقها في حملته الانتخابية، وجد ترامب نفسه أمام طائرات F-16 تتساقط فوق الجبال، وقواعد استراتيجية مثل “دييجو جارسيا” تُقصف بصواريخ عابرة للقارات. لقد فقدت الإدارة الأمريكية “زمام المبادرة”، وأصبحت تكتفي برد الفعل أمام مفاجآت “الحرس الثوري”.
​2. أسعار الوقود.. القنبلة التي ستنفجر في واشنطن
​المشكلة الكبرى لترامب ليست في جبهة القتال فحسب، بل في “محطات الوقود” داخل الولايات المتحدة. مع استهداف منشآت الطاقة في الخليج وطهران، قفزت أسعار النفط إلى مستويات جنونية، وهو ما بدأ ينعكس غضباً عارماً في الشارع الأمريكي. المواطن الذي انتخب ترامب لـ “يعيد أمريكا عظيمة” اقتصادياً، يجد نفسه الآن يدفع ثمن مغامرة عسكرية غير محسوبة من جيبه الخاص. هذه “المعركة الداخلية” هي التي تثير رعب المستشارين في واشنطن؛ فالتاريخ يقول إن الرؤساء الأمريكيين يسقطون دائماً عند فوهات مضخات البنزين.
​3. مفترق الطرق: غياب “خطة الخروج”
​أخطر ما يواجه الإدارة الأمريكية الآن هو غياب “Exit Strategy” أو استراتيجية خروج واضحة. الانسحاب الآن سيعني هزيمة مذلة أمام إيران واعترافاً بفشل “مشروع القوة”، والاستمرار في التصعيد يعني الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة الأمد قد تستمر لسنوات وتأكل الأخضر واليابس. ترامب الذي سخر من بوش وأوباما بسبب “الحروب التي لا تنتهي”، يجد نفسه اليوم مهندساً لحرب قد تكون هي الأكثر تكلفة وغموضاً في تاريخ أمريكا الحديث.
​4. انقلاب السحر على الساحر
​إيران، التي كان يُفترض أن تنهار تحت ضغط العقوبات والضربات الأولى، أظهرت “نَفساً طويلاً” وقدرة على نقل المعركة إلى أبعد نقطة ممكنة. هذا “الصمود الاستراتيجي” حول الحرب من نزهة أمريكية إلى كابوس عالمي. الحلفاء في أوروبا بدأوا يبتعدون، والداخل الأمريكي بدأ يتململ، وترامب يقف وحيداً أمام شاشات الرادار يراقب صواريخاً لا تتوقف، وأسعار نفط لا تهبط.
​الخلاصة:
لقد أخطأ ترامب في تقدير حجم الخصم، وبالغ في الثقة بقدرة التكنولوجيا على حسم الإرادة. الحرب التي بدأت بـ “تغريدات” واثقة، تنتهي اليوم بـ “تساؤلات” وجودية: كيف سيخرج ترامب من هذا المأزق دون أن يفقد هيبته.. أو كرسيه؟

عبد الله شريف

إرسال التعليق