اصنع المعروف… ولا تنتظر الوفاء
اصنع المعروف… ولا تنتظر الوفاء
رشيد مصباح (فوزي)
–
يُقال في المثل العربي: «اتّقِ شرّ من أحسنت إليه»، وكأن الإحسان قد يتحوّل، في بعض الأحيان، من فضيلة إلى سبب للندم، ومن يدٍ امتدّت بالعطاء إلى قلبٍ مثقل بخيبة الأمل، لأنه انتظر وفاءً لم يكن في الحسبان.
ولعلّ قصة سنمار، المهندس الذي بنى قصر الخورنق للنعمان بن امرئ القيس، من أشهر الحكايات التي تُستحضر كلما ذُكر الإحسان الذي يُقابَل بالغدر، والإتقان الذي لا يجد من التقدير ما يستحقه.
سنمار… حين يُكافَأ الإتقان بالغدر
تروي الحكاية أن النعمان بن امرئ القيس، ملك الحيرة، استعان بسنمار، وهو بنّاء يُنسب إلى الروم، لبناء قصر الخورنق، ذلك القصر الذي اشتهر بجماله وإتقان بنائه، وقيل إن تشييده استغرق سنوات طويلة.
وحين انتهى سنمار من عمله، صعد مع الملك إلى أعلى القصر ليريه ما أنجزته يداه. وهناك، وفي لحظة افتخار بمهارته، أخبره أنه يعرف موضع آجرة لو أُزيلت لانهار البناء، وأنه كان قادرًا على تشييد قصر أجمل منه لو علم مقدار ما سيحظى به من تقدير ومكافأة.
لكنّ النعمان، بدل أن يُكافئ المهندس على إتقانه، خشي أن يبني لغيره قصرًا يفوق قصره جمالًا، أو أن يستغلّ معرفته بسرّ البناء، فأمر بإلقائه من أعلى القصر، فمات.
وهكذا شاع المثل: «جزاء سنمار»، يُضرب لمن يُقابل الإحسان أو الإتقان بالغدر، بدل التقدير والمكافأة.
وقد يرى البعض في سنمار ضحيةً لا تستحق إلّـا التعاطف، بينما يرى آخرون أنه أخطأ حين كشف للملك ما قد يثير مخاوفه، وأظهر له أن معرفته بالبناء تمنحه قدرةً على الإضرار به.
لكن، مهما اختلفت القراءات، يبقى الغدر مسؤولية من اختاره، ولا تتحوّل الضحية إلى مذنبة لمجرد أنها لم تتوقّع الخيانة.
أمّ عامر… حين ينقلب المعروف على صاحبه
وتروي حكاية عربية أخرى أن جماعة من الصيادين كانوا يطاردون أنثى ضبع، كانت العرب تكنّيها بأمّ عامر، فلجأت إلى خباء أعرابي شهم، فوقف في وجه الصيادين وحماها منهم.
أدخلها الرجل بيته، وأطعمها وسقاها اللبن، وأحسن إليها حتى استعادت قوتها. لكنه، حين نام ليلًا، تعرّض لهجومها، فافترسته.
ومن هذه الحكاية جاء البيت المشهور:
«ومن يصنع المعروف في غير أهله
يُلاقِ الذي لاقى مُجيرُ أمِّ عامرِ».
وهكذا أصبحت أمّ عامر رمزًا لمن يُقابل المعروف بالإساءة، ولمن لا يرى في اليد التي أنقذته إلّـا فرصةً للغدر بصاحبها.
غير أن العبرة ليست في أن نعامل الناس جميعًا على أنهم ذئاب متربّصة، ولا في أن نمنع الخير عن كل من يحتاج إليه، وإنما في أن ندرك أن المعروف لا يضمن دائمًا الوفاء، وأن حسن النية وحده لا يكفي لفهم طبائع البشر.
حين تتغيّر الأحوال، تتغيّر الوجوه أحيانًا
لقد مررتُ في هذه الحياة بتجارب من هذا القبيل. قدّمتُ خدمات لمن يستحق ولمن لم يستحق، وحرصتُ على مدّ يد العون كلّما استطعتُ، وربما دفعتني قلّة التجربة والخبرة بالناس إلى الثقة أكثر مما ينبغي.
ومرّت الأيام والسنون، ووجد هذا العبد الفقير نفسه أمام ظروف قاسية، كما قد يحدث لأي إنسان في هذه الحياة.
وليس ما يحزّ في النفس أن تتغيّر الأحوال؛ فتغيّرها من سنن الحياة، ودوام الحال من المحال. فلا المال يدوم، ولا الصحة مضمونة، ولا المنصب باقٍ، ولا الصحبة على حال واحدة. وقد يجد الإنسان نفسه، بين ليلة وضحاها، أمام ظروف لم يكن يتوقّعها، فيكتشف أن ما كان يظنّه ثابتًا لم يكن كذلك.
لكنّ ما يدمي القلب حقًّا هو أن يتجاهلك من كنت تظن أن معروفك قد ترك في نفسه أثرًا، وأن يقابلك بالبرود من كنت تتوقّع منه، في الحد الأدنى، كلمة طيبة أو سؤالًا عن الحال.
لا أقول ذلك لأفتح دفاتر الماضي، ولا لأستعرض تجاربي المريرة؛ فلكل واحد منا حكاياته التي قد لا يرغب في روايتها. وإنما أذكره لأن هذه التجارب تطرح سؤالًا يستحق التأمّل:
هل أخطأنا حين أحسنّا، أم أخطأنا حين أسأنا تقدير من أحسنّا إليهم؟
في تقديري، ليس الإحسان هو الخطأ، وإنما قد يكون الخطأ في الإفراط في الثقة، أو في الاعتقاد أن كل من نساعده سيبادلنا الوفاء، أو في ربط المعروف بانتظار ردّ الجميل، ولو بعد حين.
فالناس ليسوا سواء؛ منهم الوفيّ الذي لا ينسى المعروف، ومنهم من تشغله الحياة عن أصحابه، ومنهم من يتغيّر بتغيّر المصالح، ومنهم، للأسف، من لا يتردّد في إنكار الجميل متى انتفت حاجته إلى صاحبه.
والحكمة تقتضي ألّـا نخلط بين هؤلاء جميعًا، وألّـا نجعل جحود بعضهم حكمًا على البشر كلهم.
هل نتوقّف عن الإحسان؟
هنا تكمن المسألة.
قد تدفعنا التجارب المريرة إلى الانكفاء على أنفسنا، وإلى التعامل مع الآخرين بحذر مفرط، وربما إلى رفض مساعدة من يحتاج إلينا، خوفًا من أن نلقى المصير نفسه الذي لقيه سنمار أو مُجير أمّ عامر.
لكن، هل نكون قد تعلّمنا الحكمة حقًّا إذا تحوّلنا إلى أشخاص لا يمدّون يدًا، ولا يثقون بأحد، ولا يفعلون خيرًا إلّـا إذا ضمنوا مقابله؟
إننا، في هذه الحالة، نكون قد سمحنا لجحود الآخرين بأن يغيّر أفضل ما فينا، وأن يحوّل تجربة مؤلمة إلى قاعدة نحكم بها على الحياة كلها.
ليس المطلوب أن نحسن إلى الناس ثم نغلق أعيننا عن طبائعهم، ولا أن نمنح ثقتنا بلا حساب، ولا أن نعرّض أنفسنا وأهلنا للضرر باسم الطيبة. فمن حق المرء أن يحمي نفسه، وأن يضع حدودًا لعطائه، وأن يميّز بين من يحتاج إلى المساعدة ومن يستغلّها.
لكن ليس من العدل أيضًا أن نندم على كل معروف لم نجد له مقابلًا؛ فالإحسان، في جوهره، قيمة أخلاقية، وليس صفقة تجارية.
وإذا كان علينا أن نتعلّم شيئًا من تجاربنا، فهو أن نحسن بوعي، لا بسذاجة؛ وأن نثق بتدرّج، لا بلا حدود؛ وأن نساعد بقدر استطاعتنا، دون أن نرهن كرامتنا أو استقرارنا لانتظار الوفاء من الآخرين.
الإحسان يبقى إحسانًا، حتى إن لم يُقدَّر
قد لا يذكر الناس ما قدّمناه لهم، وقد يتجاهل بعضهم فضلنا، وقد نفاجأ ممن أحسنّا إليهم بمواقف لم نكن نتوقّعها. لكن ذلك لا يمحو حقيقة ما فعلناه، ولا يجعل الخير شرًّا بأثر رجعي.
فإذا أحسنت إلى إنسان ثم جحد إحسانك، فهذه مسؤوليته الأخلاقية، وليست دليلًا على أنك كنت مخطئًا لمجرد أنك أحسنت. وإذا أخطأت في تقدير شخص، فصحّح تقديرك في المستقبل، دون أن تحاكم نفسك إلى الأبد على حسن نيّتك في الماضي.
ولعلّ من أجمل الحكم المتداولة في هذا المعنى قولهم:
«اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن أصبت أهله فهو أهله، وإن لم تُصب أهله فأنت من أهله».
وهذه عبارة تُتداول منسوبةً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، غير أن إسنادها ضعيف؛ لذلك أوردها هنا بوصفها حكمة متداولة، لا حديثًا نبويًّا ثابتًا.
ومعناها الذي ينسجم مع موضوعنا أن يبقى المرء من أهل المعروف، حتى عندما لا يجد من الآخرين ما كان يرجوه منهم، وألّـا يسمح لجحودهم بأن ينتزع منه فضيلة الإحسان.
وفي النهاية، لا أرى أن علينا أن نختار بين السذاجة والقسوة، ولا بين الثقة العمياء والشك الدائم. ثمّة طريق ثالث أكثر حكمة: أن نحافظ على طيبتنا، ونستفيد من تجاربنا، ونحسن اختيار من نأتمنهم على أسرارنا وجهودنا و أوقاتنا، دون أن نسمح لجحود البعض بأن يسلبنا إنسانيتنا.
فلا تندم على إحسانك، ولكن تعلّم لمن تمنح ثقتك؛ ولا تجعل جحود الآخرين سببًا في أن تصبح نسخةً أخرى ممن خيّبوا ظنك.
وأختم كلامي ببيت للمتنبّي يلخّص جانبًا من هذه المفارقة:
«إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ
وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا».


إرسال التعليق