مقالاتي جميلة… لكن هل تشبهني؟
رشيد مصباح (فوزي)
–
لن أفشي سرًّا إن قلتُ إنني أستعين، كغيري، بهذه التقنية الجديدة التي تُسمّى «الذكاء الاصطناعي». فهي لم توجد لمجرّد الاستئناس بها، بل للاستفادة منها في تسهيل المهام وتوفير الجهد، مثلما نفعل مع الهاتف الذكي والسيارة وغيرها من التقنيات التي أصبحت جزءًا من حياتنا.
لكن للاستعانة بهذه الآلة جانبًا آخر، يتعلق بالأخلاق والضمير. فهل من الإنصاف أن أنسب إلى نفسي وحدي نصوصًا ساهمت الآلة في صياغتها وتحسينها؟ وهل يكفي أن تكون الفكرة فكرتي حتى أعتبر كل ما يظهر في المقال من صنع قلمي؟
لم يكن هذا السؤال نظريًا بالنسبة إليّ. فقد وجدتُ نفسي، وأنا أراجع مقالاتي بعد الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، أمام نصوص أعجبتني أحيانًا بجمال صياغتها، لكنني شعرتُ في أحيان أخرى بأنها تفقد شيئًا من شخصيتي. كانت اللغة أكثر أناقة، والمعاني أكثر وفرة، غير أن النص بدا لي أحيانًا أبرد وأبعد عن طريقتي الطبيعية في التعبير.
وهنا شعرتُ بشيء من الحرج. فإذا كنتُ أستعين بالآلة لتحسين كتابتي، فهل يحق لي أن أنكر فضلها؟ وإذا كنت أعترف بفضلها، فهل يعني ذلك أنني لا أملك المستوى الأدبي والفكري الذي تظهره بعض مقالاتي؟
قرّرتُ أن أطرح هذه الأسئلة على الآلة نفسها، وطلبتُ منها أن تصارحني، وألّـا تجاملني، وأن تتعامل معي بوصفها خبيرًا محايدًا.
كان ردّها أنها ستقيّم أفكاري وحججي بإنصاف، وستبيّن لي مواطن القوة والضعف، بدل أن تمدح نصوصي لمجرد أنني كتبتها. ثم سألتني إن كنتُ أفضّل أن تبدأ مراجعة مقالاتي بتقييم النص الأصلي قبل إعادة صياغته.
أجبتها بأنني سأكون ممتنًا لذلك، لكنني طرحت سؤالًا آخر: كيف ترى الأمور، وأنا أشعر بأنني لا أملك المستوى الأدبي والفكري الذي تظهره مقالاتي؟
لم يكن السؤال سهلًا بالنسبة إليّ. فأنا لا أريد أن أخدع نفسي، ولا أن أعيش على صورة أدبية صنعتها لي آلة. وفي الوقت نفسه، لا أريد أن أظلم نفسي لمجرد أنني أستعين بأداة تساعدني على التعبير.
جاءني الردّ بأن امتلاك الفكرة ليس هو نفسه امتلاك أدوات التعبير، وأن الكاتب قد يكون صاحب التجربة والموقف، بينما تسهم الآلة في ترتيب الأفكار وتحسين الصياغة. وهذا تمييز وجيه؛ فليس من الدقة أن أنسب إلى مهارتي المستقلة كل ما يظهر في نص ساهمت الآلة في بنائه.
لكنني عدتُ إلى نقطة شعرتُ بأنها أكثر أهمية من جمال العبارة وسلامة الصياغة، وقلتُ لها إن النص يفقد شيئًا من شخصيتي، وإن الإطناب وكثرة المعاني يشعِرانني ببرودة وجفاء.
عندها اتفقنا على أن تكون المراجعة مختلفة: أن تبدأ بتقييم النص كما كتبته أنا، وأن تحافظ على فكرتي ونبرتي الطبيعية، وألا تضيف معاني أو صورًا بلاغية لمجرد جعل المقال أكثر أناقة. فليس كل ما يمكن تحسينه يحتاج إلى تحسين، وليس كل عبارة بسيطة أقل قيمة من عبارة مزخرفة.
قد تكون المشكلة، إذن، ليست في أن نستعين بالذكاء الاصطناعي، بل في أن نسمح له بأن يستبدل صوتنا بصوته. فالكاتب لا يحتاج إلى آلة تكتب عنه بقدر ما يحتاج إلى أداة تساعده على التعبير عمّا يريد قوله، من دون أن تسلبه حقه في أن يكون هو نفسه.
لا أدّعي أنني وجدتُ جوابًا نهائيًا عن حدود هذه العلاقة، لكنني أدركتُ أن عليّ أن أكون صريحًا مع نفسي ومع القارئ. فإذا ساهمت الآلة في صياغة مقالي، فلا داعي إلى إنكار دورها، كما لا ينبغي أن أنسب إليها فكرتي وتجربتي وموقفي.
أما السؤال الذي بقي يشغلني فهو: هل تكفي جودة النص للحكم على صاحبه، أم أن للكتابة قيمة أخرى لا تظهر في جمال العبارات وحده؟
ربما تكون الكتابة الجيدة هي التي تجمع بين وضوح الفكرة وجمال التعبير وصدق الصوت. وإذا اضطررنا إلى التضحية بشيء من شخصيتنا في سبيل مزيد من الأناقة، فعلينا على الأقل أن نتوقّف ونسأل أنفسنا: ما الذي نكسبه، وما الذي نفقده؟
فأنا لا أريد أن أكتب مقالات تبدو أفضل مما أستطيع كتابته فحسب؛ أريد أن أكتب مقالات أستطيع أن أجد نفسي فيها.



إرسال التعليق