حين يصمت اللسان ويتكلم الجسد

اسيا مداني

في الصورة التي أرسلتها، جملة قصيرة على خلفية سوداء، لكنها تزن روايات كاملة. لم يقل دوستويفسكي إن العناق لغة، بل قال إن مخترعه كان أخرسا. وهذا هو المفتاح.

الأخرس في الأدب الدوستويفسكي ليس معاقا لغويا، بل هو الإنسان الذي فاض به الشعور عن قدرة اللغة. الإنسان الذي جرب أن يقول “أحبك”، “سامحني”، “اشتقت إليك”، “لا تتركني”، “أنا خائف”، “أنا هنا”… فوجد أن كل كلمة تقتل أختها. فاخترع حركة واحدة تقولها جميعا: أن يضم الآخر إلى صدره.

العناق ليس تحية. التحية لها كلمات. العناق هو فشل اللغة وانتصار الجسد في نفس اللحظة.

لماذا كان لا بد أن يكون أخرسا؟

  1. لأن الكلمات تكذب: نستطيع أن نقول “أنا بخير” ونحن ننهار. لكن لا أحد يستطيع أن يعانق ببرود وهو يحترق شوقا. الجسد لا يجامل. ضيق الصدر، ارتعاش اليدين، طول المدة… كلها اعترافات لا يمكن تزويرها. الأخرس فهم هذا مبكرا فاختار الصدق.
  2. لأن المشاعر متزامنة لا متسلسلة: اللغة تجبرنا أن نقول شيئا ثم شيئا. أولا أعتذر، ثم أبرر، ثم أطلب. لكن الحزن والحب والندم والامتنان يأتون في القلب دفعة واحدة. العناق وحده قادر على التزامن. هو جملة واحدة فيها كل الفواصل.
  3. لأننا جميعا خرْسٌ أمام الفقد: في الجنازة لا نجد ما نقول. أمام أم تبكي ابنها، أمام صديق عاد بعد غياب عشر سنوات، أمام طفل خائف… ماذا ستقول؟ أي جملة ستكون سخيفة. هنا نعود جميعا إلى اختراع ذلك الأخرس الأول. نعانق.

دوستويفسكي كان يعرف

هذا القول حتى لو لم يثبت حرفيا في كتب دوستويفسكي، فهو دوستويفسكي بامتياز. كل أبطاله خرْس بهذا المعنى. راسكولينكوف في “الجريمة والعقاب” لا يستطيع أن يشرح لماذا قتل. الأمير ميشكين في “الأبله” يحب الجميع ولا يستطيع أن يقول كيف. إنهم يختنقون بالكلمات، فيصمتون، أو يبكون، أو يعانقون.

كان دوستويفسكي يرى أن أكثر اللحظات صدقا في حياة الإنسان هي التي يعجز فيها عن الكلام.

في زمن كثر فيه الكلام وقل فيه العناق

نحن اليوم عكس ذلك الأخرس تماما. نحن نتكلم كثيرا جدا. نرسل 100 رسالة في اليوم، نعلق، نشرح، نبرر، نحلل مشاعرنا في ستوري. ومع ذلك، لم نشعر يوما بالوحدة مثل اليوم.

لأننا استبدلنا العناق الذي يقول كل شيء، برسائل تقول لا شيء.

الرسالة تقول “وحشتني”. العناق يجعلك تشعر بوزن الوحشة في صدره.

التعليق يقول “أنا معك”. العناق يجعلك تسمع نبض قلبه وهو يقولها.

اختراع الأخرس كان ثورة. كان يقول لنا: إذا عجزت عن التعبير، لا تشرح أكثر… اقترب أكثر.

لذلك في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك عاجزا أمام شخص تحبه، لا تبحث في قاموسك عن جملة عبقرية. تذكر أن أول إنسان اخترع العناق كان أخرسا لسبب وجيه: كان يريد أن يختصر كل قواميس العالم في حركة واحدة.

وأحيانا، الصمت بين ذراعين، هو أبلغ خطاب عرفته البشرية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك