تحديد الانتخابات في «11 أيلول»: تصويب التاريخ لعدم ارتهان الديمقراطية الفلسطينية لرموز الإرهاب الدولي

في الوقت الذي ينتظر فيه الشارع الفلسطيني بشغف واستحقاق طال انتظاره لممارسة حقه الدستوري في اختيار ممثليه، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية عبر بوابة الديمقراطية، أثار التنسيب الصادر عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى الرئيس محمود عباس “أبو مازن”، بتحديد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول موعداً للإنتخابات التشريعية والرئاسية، موجة واسعة من الجدل والنقد السياسي الواعي.

ولعل أبرز ما أعاد تسليط الضوء على خطورة هذا التنسيب هو التعبير الصريح عن الرفض والغضب الذي أبداه القيادي الفلسطيني تيسير خالد في تدوينة له عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث وضع اليد على جرحٍ سياسي وإعلامي شديد الحساسية، يتجاوز حدود التوقيت إلى أبعاد الدلالات والرموز التي تُقرأ بها المواقف الوطنية في العرف الدولي.

تاريخ مثقل بالدم والإرهاب.. لا يليق بالديمقراطية الفلسطينية

إن اختيار الحادي عشر من أيلول/سبتمبر موعداً لعملية ديمقراطية فلسطينية سالمة، يعكس حالة من “العمى السياسي” والتغاضي غير المبرر عن الرمزية العالمية الثقيلة لهذا التاريخ. فالعالم بأسره يربط هذا اليوم بذاكرة دموية سوداء، خلّفها الهجوم الإرهابي الغاشم الذي نفذته منظمة “القاعدة” عام 2001 باستهدف برجي التجارة العالمي في نيويورك، والذي أودى بحياة أكثر من ثلاثة آلاف إنسان من الأبرياء.

إن القضية الفلسطينية، التي خاضت معارك طويلة لترسيخ روايتها الوطنية كحركة تحرر وطني نسعى لنيل الحرية والعدالة وبناء دولة المؤسسات والديمقراطية، بغنى تام عن وضع مسارها الانتخابي في مقاطعة أو مقارنة تقويمية مع أعتى حوادث الإرهاب الدولي. فمن شأن التمسك بهذا التاريخ أن يمنح الإعلام الخصم والدوائر المتربصة فرصة سهلة لربط عرس الديمقراطية الفلسطيني في الأذهان العالمية بتاريخ يرتبط صراحة بـ”الإرهاب”، وهو خلط مجاني ومجحف بحق نضال الشعب الفلسطيني ورغبته في التعبير عن إرادته الحرة.

أولوية التوافق الوطني على القرارات الفردية

لم يقف نقد تيسير خالد عند حدود البعد الرمزي والدولي للتاريخ، بل تعداه ليمس جوهر العملية الديمقراطية بحد ذاتها؛ إذ إن العلة لا تكمن فقط في شؤم التاريخ ورمزيته السلبية، بل في آلية اتخاذ القرار التي سبقت نتائج الحوار الوطني الشامل.

فالانتخابات ليست مجرد موعد يُسقط في الروزنامة بصورة إدارية فوقية، بل هي ثمرة توافق وطني واستحقاق مجتمعي وسياسي يتطلب تهيئة الأجواء، وتذليل العقبات، وتأمين مشاركة جميع القوى والفعاليات الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة. وكان الأجدى باللجنة التنفيذية انتظار مخرجات الحوار الوطني والالتزام ببوصلة التوافق الشامل، لضمان انتخابات ناهضة وشرعية تنهي حالة الانقسام وتستعيد للمواطن الفلسطيني حقه المسلوب في صناديق الاقتراع.

دعوة للتراجع وتصحيح المسار

إن المطالبة بالعودة عن هذا القرار والتراجع عن هذا التنسيب ليست ترفاً سياسياً أو معارضة لمجرد النقد، بل هي ضرورة وطنية لحماية الصورة الحضارية للنضال الفلسطيني، وتفادي فخاخ الإعلام المضاد الذي ينتهز أدنى سقطة لربط الفلسطينيين بمفاهيم الإرهاب التي طالما واجهوها ورفضوها.

إن المطلوب اليوم هو الاستجابة الأصوات الوطنية العاقلة، والانتظار حتى نضوج الحوار الوطني للاتفاق على موعد مناسب يليق بعظمة التضحيات الفلسطينية، ويضمن إجراء انتخابات نزيهة وشفافة تنبثق منها قيادة متجددة تعبر عن إرادة الشعب الشفافة في نيل الحرية وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك