حين يُصبح “الكتالوج” العادي مجرد وجهة نظر!
عبد الرحمن إبراهيمي
من المثير للاستغراب والدهشة في هذا العصر الحديث أنك قد تستيقظ يوماً لتجد أن بدهيات الطبيعة الفيزيائية والبيلوجية التي عاشت عليها البشرية لآلاف السنين أصبحت موضوعاً للنقاش والتنظير الفلسفي!
لو افترضنا أنك اشتريت جهازاً إلكترونياً جديداً، وجاء معه كتالوج تشغيل واضح وصريح يُخبرك بوضوح: “هذا القابس يُوضع في المأخذ المخصص له لكي تعمل الدائرة وتستمر الطاقة”. في الواقع، لا أحد يجلس ليتساءل عن حقوق القابس في أن يختار مأخذاً غير مناسب، ولا يخرج علينا مهندسون ليخبرونا بأن محاولة تركيب الأجزاء الشاذة بطريقة مخالفة للتصميم الأصلي هي مجرد “تعبير عن تنوع الخيارات الإلكترونية”! لكن في عالمنا المعاصر، يبدو أن قواعد الكتالوج البشري قد أُحيلت على التقاعد!
الطرف التفكيكي في الطرح الحديث يعتمد على فكرة عجيبة؛ وهي أن الطبيعة الإنسانية والتكاثر والتوازن الفطري ليست سوى “قواعد قديمة ومحدودة” يجب التمرد عليها. وتجد أن المدافعين عن هذا التوجه يبذلون طاقات فكرية وإعلامية هائلة لإقناع المجتمعات بأن العودة إلى المربع الأول في منطق التكاثر والاستمرار هي ضرب من التخلف، وأن الابتكار الحقيقي يكمن في تعطيل الوظيفة الأساسية للمنظومة!
المضحك في الأمر أن كل هذا الصخب والتنظير يُنسى بمجرد النظر إلى المعادلة المبسطة للحياة: لو أن مجتمعاً ما قرر التعاطي مع هذه الأفكار وتطبيقها بشكل كامل وشامل، فلن نحتاج إلى الحروب أو الأزمات الاقتصادية للانقراض؛ سينتهي الوجود البشري ببساطة وبصمت خلال جيل واحد لأن “المشروع” توقف عن الإنتاج بسبب خطأ في خط التشغيل!
في النهاية، تظل الفطرة السليمة والترتيب الطبيعي للأشياء هما الملاذ العقلاني الوحيد بعيداً عن التكلف واللعب بالكلمات. فمهما جرى تزيين النظريات وتغليفها بمصطلحات براقة، يظل المنطق البسيط يفرض نفسه: المنظومة التي لا تنتج استمراراً.. هي مجرد تصميم لا يعمل!
عبد الرحمن إبراهيمي



إرسال التعليق