اخر الاخبار

وهم الدبلوماسية العبثية وحقيقة الأبيات.. قراءة نقدية وتاريخية للنشيد الوطني الإسرائيلي (هاتيكفا)

في عالم السياسة الدولية، تتوارى المبادئ غالباً خلف براغماتية المصالح الباردة. وحين نرى بعض القادة أو الدبلوماسيين العرب يقفون بكل احترام وإجلال أمام النشيد الوطني الإسرائيلي في المحافل الدولية وعند استقبال السفراء، فإن المشهد يتجاوز مجرد البروتوكول الدبلوماسي العابر ليكشف عن أزمة وعي وتاريخ عميقة.

في المقابل، تتصاعد المفارقة المؤلمة حين تُمارس أقصى الضغوط الغربية والعربية المطبعة على الدول العربية لتغيير مناهجها التعليمية، وتعديل وتفريغ مضامين الآيات القرآنية من روح المقاومة، بينما لا تجرؤ أي قوة في العالم على مطالبة إسرائيل بتغيير حرف واحد من نشيدها القومي العنصري المتطرف!

فما هي حقيقة هذا النشيد؟ وما هو تاريخه الحقيقي بعيداً عن الشعبويات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي؟

أولاً: الحقيقة التاريخية والأدبية لـ “هاتيكفا” (الأمل)

النشيد الوطني الإسرائيلي والمعروف بـ “هاتيكفا” (התקווה – الأمل) يعود في جذوره إلى قصيدة كتبها الشاعر اليهودي-الصهيوني نفتالي هرتز إمبر عام 1876 في مدينة ياش برومانيا، وتم تبنيها لاحقاً كنشيد للحركة الصهيونية في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، قبل أن يصبح النشيد الرسمي لدولة إسرائيل عند إعلان قيامها.

المفارقة النصية والتحريف الشائع:

يقع تداول النص المذكور في وسائل التواصل الاجتماعي في خلط بين الأبيات الأصلية للقصيدة وبين إضافات أو ترجمات وتأويلات مسقطة حماسية غرضها التهويل السياسي، رغم أن النص الأصلي والمعتمد رسمياً لـ “هاتيكفا” يتكون من مقاطع محددة تركز على:

  • الشوق الديني والقومي للعودة إلى صهيون وأورشليم (القدس).
  • فكرة أن “الأمل لم يضِع بعد” (أو لم يصنع بعد بتعبير بعض الترجمات) بعد ألفي سنة من الشتات.
  • كونهم “شعباً حراً في أرضنا”.

الروح العنصرية المبطنة:

حتى وإن كان النص الرسمي المعتمد ألطف لغوياً من بعض الأبيات الرائجة التي تتحدث صراحة عن “غرس الرماح في صدور المصريين وسكان بابل وقطع الرؤوس” (والتي تمثل في الواقع تعبيرات توراتية مجازية استخدمها الشعراء الصهاينة الأوائل لربط الحاضر الاستعماري بالماضي الأسطوري والتوراتي)، إلا أن الجوهر الفكري للنشيد يظل استيطانياً بامتياز.

فهو يعتمد كلياً على اغتصاب جغرافيا الآخر، وإلغاء الرواية التاريخية لأصحاب الأرض الأصليين (الفلسطينيين)، وتحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني وتوراتي وجودي.

ثانياً: النفاق الدولي وازدواجية المعايير في المناهج

تتجلى الفضيحة الكبرى في ازدواجية المعايير الغربية والعالمية حين يتعلق الأمر بالهوية والثقافة والتعليم في المنطقة العربية:

  1. الوصاية الثقافية: لطالما تعرضت المناهج التعليمية في الدول العربية (مثل فلسطين ومصر والأردن وغيرها) لحملات دولية ومحلية ممولة لنزع أي آيات أو نصوص تحث على الجهاد، أو توثق الجرائم التاريخية للاحتلال، بحجة “مكافحة الكراهية”.
  2. الحصانة المطلقة للعنصرية الإسرائيلية: في المقابل، يكرس النشيد الرسمي الإسرائيلي مفاهيم “شعب الله المختار” والعودة الاستعمارية لأرض مقدسة بالقوة، ولا يرى العالم في ذلك أي تحريض على الكراهية أو العنف، بل يُفرض على الدبلوماسيين العرب الوقوف له احتراماً تحت ذريعة “احترام سيادة الدول وبروتوكولات المراسم”.

ثالثاً: من هم “قطاع الرؤوس” الحقيقيون تاريخياً؟

السؤال المشروع الذي يطرحه الشارع العربي بمرارة: من هم الإرهابيون الأصليون وقطاع الرؤوس والدمويون تاريخياً؟

التاريخ الحديث والمدون لا يرحم؛ فدولة إسرائيل أقيمت على أنقاض قرى مدمرة ومذابح موثقة ارتكبتها عصابات صهيونية إرهابية مثل “الإرجون” (Irgun) و”ليحي” (Lehi) و”الهاجاناه” (Haganah).

  • مذبحة دير ياسين، وقبية، وكفر قاسم، وطنطورة، وصولاً إلى آلاف المجازر اليومية الموثقة في غزة ولبنان.
  • إن العنف الدموي الذي يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر التاريخ ليس مجرد “أفعال عسكرية”، بل هو ترجمة عملية لثقافة استئصالية متجذرة في أيديولوجيا الحركة الصهيونية التي يعبر عنها النشيد والخطاب الديني القومي المتطرف.

إن وقوف بعض القادة والزعماء العرب للنشيد الإسرائيلي لا يعكس سوى حالة من الانهزام السياسي وفقدان الذاكرة التاريخية. إنهم لا يقفون احتراماً للحن موسيقي، بل يقفون خضوعاً لمعادلة ميزان القوى الوهمي.

لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تنسى تراثها وتتنازل عن روايتها، وتسمح لجلادها بأن يملي عليها مناهجها وثقافتها، لا تنتظر سوى المزيد من الهوان. والبيانات والحقائق التاريخية لا تهتم بمدى إعجابنا بالاتفاقيات الدبلوماسية الزائفة، فالأرض وأصحابها الحقيقيون هم من يكتبون النهاية دائماً.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك