أكاديميون: عشرات الرسائل الجامعية لا تزال محفوظة و يغطيها الغبار في الأدراج

انتقادات بالجملة في ندوة الشهاب و بوطاجين يخرج عن صمته

عَبَّرَ أكاديميون و لأوّل مرة عن واقع النقد الأدبي في الجزائر، مستخدمين مصطلحات تعتبر دخيلة على الأدب العربي على غرار أدب الفضائح و الكشف عن المستور و الخوض في المناطق المحرمة أو المسكوت عنها ، اي تكسير الطابوهات، و كذلك أدب التفاهات في الرواية الجزائرية و مصطلح المأزقية و هو اصطلاح يصف حالة التراجع التي تضرب المشهد الثقافي والأدبي في الساحة العربية و بالأخص في الجزائر ، جاء ذلك في ندوة نظمها مركز الشهاب للبحوث و الدراسات التابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، احتضنه فندق لابيناد بالهضاب العليا، و قد نشط الندوة أكاديميون بحضور واحد من عمالقة النقد الأدبي في الجزائر و هوالدكتور السعيد بوطاجين حيث وضعوا الإشكالية (روح النقد الأدبي) على بساط النقاش من حيث التشخيص و التحليل النقدي ، فكانت ندوة مميزة شهد لها كل من حضرها من الأدباء و المترجمين ، طرح كل منهم تساؤلات كيف يتقاطع السرد مع النقد، استحضروا فيها الروح النقدية في الأدب و علاقة الكاتب بالناقد، و كيف يتحول الكاتب إلى ناقد، مع تقديم ردود حول ما يُرَوَّجُ هنا و هناك أجاب المحاضرون على أسئلة الحضور حول ما شهدته الحركة النقدية، خاصة ما تعلق بالرواية و إن كانت   رواية حقيقية ناضجة بكل المفاهيم العربية أو الغربية   

هو السؤال الذي طرحه الروائي السعيد باوطاجين في مداخلته بعنوان: السرد و جدلية النقد ، و معروف عن السعيد بوطاجين من الذين يطرحون إشكاتلية السرد كمعرفة، ليشير أن هناك نصوصا تفتقر إلى الجانب المعرفي، فالرواية كما يقول تعمل على منحى أفقي و عمودي، و النص الجيّد هو الذي يطرح اسئلة ، مداخلة ااسعيد بطاجين كاتنت استرجاع تجربته في كتابة الرواية و لقاءاته مع أدباء من ذوي الوزن الثقال على غرار الطاهر وطار و ما كان يدور بينهم من نقاشات حول المناهج الجديدة في عالم الأدب، كان بوطاجين و كأنه يُعَبِّرُ عن حنينه للعودة إلى مدرجات الجامعة ليلق محاضرات أمام الطلبي خاصة و أنه كان يجلس بقرب تلميذه الدكتور بن التومي، أراد بوطاجين الوصول إلى ثانية التقييم للنصوص الأدبية منتقدا في ذلك من سمّاهم بـ: “أشباه الكُتَّابِ” ، ما جعله يتجنّب كما يضيف هو الكتابة عن الرواية الجزائرية، و هذا لوجود صعوبة في تفكيك بعض الروايات الجزائرية و قضايا أخرى كالمسرح مثلا، و لأول مرة يخرج بوطاجين عن صمتهلرفع اللبس حول قضية انسحابه من الساحة الأدبية ، حيث أكد أنه لم ينسحب و ما زال قلمه يحرك كل ما هو جامد أو لم يولد بعد ليحقق بالكتابة التناغم بدل الإغتراب

حول سؤال الاغتراب الأدبي

عن الإغتراب يتساءل الدكتور اليامين بن تومي في مداخلته إن كان بالإمكان تحليل الإغتراب في الرواية الجزائرية، من وجهة نظره هو، حان الوقت لكي تقف النخبة على مشرحة النقد و الوقوف للإشكاليات التي تُطرحُ اليوم ، و التي اوصلت الأمّة إلى حالة الإغتراب، إلا أنه تحفظ عن تحديد هذا الإغتراب إن كان نفسي أو فكري أو وجودي، يقول الدكتور اليامين بن تومي: هناك غربة معينة نعيشها في نقدنا و في وطننا، نعيش إشكاليات عالم جديد، ونجده يطرح  تساؤلا موجها كقارئ و كمتمرس داخل النظرية النقدية العربية المعاصرة لبناء أدوات و التوجس الذي يعيشه كناقد، مقدما مثالا حيا عن مفهوم الإغتراب الأدبي و الفكري كذلك ، عندما قارن بين الطلبة الذين درسوا عند المشارقة و عادوا إلى أوطانهم بنظرة مشرقية و فكر مشرقي، و بين الذين درسوا في البلاد الغربية فحملوا معهم الفكر الغربي أو كما قال هو “ النظرة المركزية الأوروبية”، فنشا نقدا يتمزق بين وعيين اثنين، فظل الأديب و النقاد الجزائري يتخبطان في البناء النقدي الكلاسيكي دون محاولة تمحيصه، يُعَرِّف الدكتور اليامين بن تومي الإغتراب النقدي بأنه لحظة التَّمَزُّقِ التي يعيشها القارئ خارج أمّته و هذا التمزق يقود إلى النفور، حيث بدأ يظهر مع بداية التسعينيات و بداية الألفية، وما شهدته الساحة من جمود فكري و إبداعي ، لدرجة أن عشرات الرسائل الجامعية لا تزال محفوظة في أدراج الجامعة يغطيها الغبار دون أن تُناقش و تطبع في كتب، فالجامعة كما يقول اصبحت تنتج نخبا سطحية يفتقرون إلى عمق فكري و تنتج متخصصين دون فكر، لأن النظام التعليمي لم يعد ينتج النقاد الذين يدرسون عمق النص.

ولهذه الأسباب كانت العلاقة بين الإنسان و العالم علاقة صدام و صراع و علاقة انقسام وعداء، فحرية التعبير الغير منضبطة تولّد عنها نوعا من الإنفصام الأدبي و الفكري بين الكتاب و النقاد و القارئ، و هذه تحتاج إلى مقاومة قرائية، هي الإشكالية التي طرحتها الدكتورة حنان خطاب كمفهوم نقدي، أرادت من خلال هذه الإشكالية ( المقاومة القرائية ) في محاولة منها مواجهة التمييع المعرفي و صناعة المعنى، و هي تتسال إن كانت الكتابة فعل وجودي تمنح لنا حرية التعبير، أي يقول الإنسان ما يشاء ويكتب ما يشاء و يُعبّر كما يشاء في ظل غياب المعيار الأخلاقي خاصة في مرحلة ما بعد الحداثة، و قد قسّمت المحاضرة ورقتها إلى ثلاثة محاور: أزمة التفاهة، المقاومة، و هل يملك الكاتب فعلا في زمن التفاهة، استخدمت الدكتورة حنان خطاب مصطلح “المأزقية” و قالت انها وراء التميّع، و أن التحوّل المعرفي نحو التميع غيّر العلاقات الإنسانية، حيث أصبحنا نعيش في زمن التفاهة، الذي تتهاوى فيه جميع القيم، لأننا نعيش في مرحلة تاريخية جديدة أدت إلى سيطرة التافهين على الساحة في زمن تغلبت فيه التكنولوجية و الذكاء الإصطناعي و غياب الوعي المنهجي لتختم محاضرتها بالقول أن القراءة النقدية في مرحلة الإنعاش

انتقادات أم تصفية حسابات؟

كانت هذه انتقادات بالجملة حول روح النقد الأدبي، ختمها الأستاذ عمار قواسمية بمداخلته بعنوان معيار التلقي، و هو كما يقول مشروع كتاب سيكون حاضرا في المعرض الدولي للكتاب سيلا 2026 ، مداخلة قواسمية جاءت بلسان حاد و كأنه يفرغ شحنة من الغضب كادت تكتم أنفاسه، حين انتقد نصوص روائيين معروفين على مستوى  عالمي، بدءًا من الروائي العالمي واسيني لعرج مستخدما بعض المصطلحات مثل مصطلح الفضلات السردية، ر بما أراد عمار قواسمية و هو مترجم و مدقق لغوي، بقوله أن بعض الكتاب يُمارسون الإستشراق الذاتي لصالح أجندات و كأننا هنا نتحدث عن أدباء “عملاء” ، يكتبون لصالح هيئات أجنبية  و قد ترجمها طه عبد الرحمن كما يقول هو بـ: “الفكرانية” لتكون بديلا عن الإيديولوجيا، يوضح المحاضر أن الإستشراق الذاتي يكون فيه الكاتب أو الروائي ينتمي إلى نخبة “مؤدلجة” ، و بحكم المجال الذي يعمل فيه كمترجم يتهم عمار قواسمية بعض الروائيين باستيلائهم على بعض النصوص الروائية عن طريق الترجمة مضيفا بأن أخطر أدوات السرقة هي الترجمة، لاشك أنها رسالة وجهها لبعض الأدباء و الروائيين، بعد الهجوم الذي شنّه على الروائية أحلام مستغانمي، و قال ان رواياتها مجرد قٌصاصات  تستحق ان تكون منشورات في الفضاء الأزرق ( الفيسبوك) فأحلام مستغانمي في رأيه فشلت فشلا ذريعا في ترجمة نصوصها إلى لغات أخرى، لأن الغرب لا يهتم بجمالية اللغة بقدر ما يهتم بالفكرة، ما ميّز ندوة مركز الشهاب حضور “الهوارية” ، الرواية التي كتبتها إنعام بيوض و التي لم تنج من النقد في هذه الندوة، كذلك رواية “نجمة” التي كتبها كاتب ياسين ، لقيت هي الأخرى انتقادات عندما قال السعيد بوطاجبن في رده على أسئلة الحضور أن نجمة لا أحد قرأها و لكن الجميع تكلم عنها، و نجمة استثمرت سياسيا

ما وقفنا عليه في ندوة مركز الشهاب التابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن الذين قدموا رؤيتهم للنقد الأدبي في الجزائر و بالأخص بوطاجين و بن تومي قدموا آراء و رؤى مفكرين غربيين كنموذج لتحليل هذه الإشكاليات و تفكيكها ثم توظيفها، و كأن الأدب و النقد الغربي هو المرجعية في كتابة الرواية العربية بصفة عامة و الرواية الجزائرية بصفة خاصة، كونها تعبر عن الواقع و هنا وجب الحديث عن أدب “الإستهلاك” الذي يخضع لمنطق السوق و  الإقتصاد ،  و قد أشار الدكتور اليامين بن تومي إلى الدور الذي قامت به البرجوازية، عندما استشهد بآراء الفيلسوف الفرنسي جورج لوكاتش في نقده الرأسمالية، وقال أن البرجوازية هي الشكل الاقتصادي للرواية التي أصبحت في ظل هذا النظام مفرغة من الروح ،  فالساحة الأدبية و النقدية ، و حتى لا نقول تصفية حسابات، هي عبارة عن  صراع أفكار و صدام مثقفين،  و الحرب الكلامية بين الكُتَّابِ و النُقَّادِ  مستمرّة و كتب الله لها ألا تتوقف، و لا يختلف إثنان إن قلنا : إن هذا الصراع تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل، ولذا كان سؤالنا كالتالي: هل حان الوقت لأخلقة الكتابة و النقد الأدبي ( و حتى النقد الفكري) و كان رد الدكتورة حنان خطاب اننا في الجزائر لم نصل بعد إلى أخلقة الكتابة و النقد كما لم نصل بعد إلى أخلقة المجتمع 

تغطية و قراءة علجية عيش

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك