رقعة الشطرنج الكبرى: لماذا يصعب على واشنطن وبكين الاتفاق؟
: توماس بولوس (ركن التحليل الاستراتيجي والعسكري)
حين يلتقي قطبا العالم على طاولة المفاوضات، ينتظر العالم بأفئدة خافقة أن يسود العقل، وأن تتفق القوتان الأعظم على تقاسم أعباء كوكب يئن تحت وطأة الأزمات. غير أن الواقع الجيوسياسي أقسى وأعقد بكثير من أحلام الدبلوماسية الناعمة. فالصراع الخفي والعلني بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية ليس مجرد نزاع تجاري على أسعار التعريفات الجمركية، ولا هو سباق عابر على أسواق التكنولوجيا؛ بل هو صراع وجودي على قيادة النظام الدولي وصياغة قواعد القرن الحادي والعشرين.
إذن، لماذا يصعب إلى هذا الحد أن تتفق واشنطن وبكين؟ وكيف تحولت العلاقة بينهما إلى معادل استراتيجي لـ “حتمية الصدام”؟
أولاً: معضلة “المهيمن” و”الصاعد”.. قانون التاريخ القاسي
في العلوم السياسية وعلم التاريخ العسكري، هناك قاعدة كلاسيكية تُعرف بـ “فخ ثوسيديديس”؛ وهي القاعدة التي تثبت أن صعود قوة عظمى جديدة يثير بالضرورة رعب القوة المهيمنة الحالية، مما يؤدي غالباً إلى حتمية الاصطدام.
- واشنطن: ترى في نفسها حارسة النظام العالمي الليبرالي الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية، وتعتبر أي صعود صيني مهدداً مباشراً لموقعها القيادي ولأمنها القومي الاستراتيجي.
- بكين: ترى أن حقها الطبيعي والتاريخي قد حان لاستعادة مكانتها كقطب عالمي أول، وأن الهيمنة الأمريكية الأحادية ليست سوى مرحلة استثنائية انتهت صلاحيتها.
هذا التناقض الجذري في الرؤية يجعل أي تسوية سياسية بمثابة تأجيل لمعركة فاصلة لا مفر منها.
ثانياً: حروب التكنولوجيا والسيادة المستقبلية.. من يملك مفاتيح الغد؟
لم تعد المعركة بين البلدين تدور حول تصدير الملابس أو السيارات التقليدية، بل انتقلت إلى عمق البنى التحتية التكنولوجية التي ستحدد شكل العالم القادم:
- احتكار أشباه الموصلات (الرقائق الإلكترونية): تعتبـر تايوان بالنسبة لبكين قضية سيادة وطنية ومفتاح السيطرة التقنية، بينما تعتبرها واشنطن “الخط الأحمر” الذي يهدد سلاسل التوريد الحيوية لصناعاتها العسكرية والمدنية.
- الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل القادم: من يهيمن على معايير البرمجيات والاتصالات العالمية اليوم، يملك القدرة على مراقبة الاقتصاد العالمي وتوجيهه.
الشركات الكبرى والدولتان تخوضان حرباً باردة رقمية لا تقبل الحلول الوسط؛ فلا واشنطن تستطيع السماح للصين بالهيمنة التكنولوجية، ولا الصين تستطيع التنازل عن حقها في التطور التقني المستقل.
ثالثاً: جغرافية النفوذ ومفاتيح البحار.. تايوان وبحر الصين الجنوبي
تتقاطع المصالح الاستراتيجية للطرفين في نقاط جغرافية حساسة لا تحتمل القسمة على اثنين:
- بحر الصين الجنوبي: الشريان المائي التجاري الأهم في العالم، والذي تحصنه الصين بقواعد عسكرية اصطناعية لفرض سيادتها، بينما تصر واشنطن على إبقاء الممرات مفتوحة لتأكيد تفوقها العسكري والبحري.
- ملف تايوان: النقطة الأكثر اشتعالاً؛ فبكين تعتبرها جزيرة منشقّة لا بد من إعادتها للسيادة المركزية ولو بالقوة العسكرية، فيما تلتزم واشنطن—رغم غموضها الاستراتيجي—بدعم الجزيرة لضمان احتواء النفوذ الصيني في المحيط الهادئ.
يصعب على واشنطن وبكين الاتفاق لأن التناقض بينهما بنيوي وعميق، ولا يمكن ردمه باتفاقيات تجارية مؤقتة أو ابتسامات دبلوماسية عابرة أمام عدسات الكاميرات. إنه صراع بين إمبراطورية تحاول الحفاظ على عرشها المترنح، وقوة صاعدة تمد أصابعها بيقين نحو أزرار القيادة العالمية. وحين تتواجه قوى بهذا الحجم، فإن لغة التسويات تفقد معناها، وتظل رقعة الشطرنج مفتوحة على كل الاحتمالات!



إرسال التعليق