بيريز قرر تدمير ريال مدريد و الجميع يتفرج
إليك مقال صحفي تحليلي يصوغ هذه الأفكار بصياغة صحفية رصينة، بليغة، وقوية الطرح:
سحر السردية ودخان المؤامرة: كيف حوّل بيريز “الفشل الفني” إلى “معركة مظلومية”؟
بقلم: قلم رياضي تحليلي
في عالم كرة القدم الحديثة، لم تعد إدارة الأندية تقتصر على بناء الفرق وحصد البطولات داخل المستطيل الأخضر، بل امتدت لتشمل إدارة “الوعي الجمعي” للجماهير وتوجيه الرأي العام. وفي هذا الشأن تحديداً، حققت إدارة فلورنتينو بيريز في ريال مدريد نجاحاً استثنائياً، ربما يكون هو الإنجاز الوحيد الناجز وسط سلسلة من الإخفاقات الفنية المتراكمة في المواسم الأخيرة؛ وهو قدرتها الفائقة على توظيف القناة الرسمية للنادي لصناعة وتسويق “سردية المؤامرة التحكيمية”.
لقد نجحت المنظومة الإعلامية لـ”الميرينغي” في غرس أفكار محددة لدى قطاع عريض من “المدريديستا”، مفادها أن التحكيم الإسباني هو الأسّ والأساس في كل عثرة، والشماعة الجاهزة لكل تعادل أو خسارة. والأنكى من ذلك، أن هذا الشحن المتواصل جعل المشجع يخرج بعد كل فوز هجين أو هزيل -كما جرت العادة في كوابيس كروية كبرى- بشعور وهمي أنه انتزع النقاط من بين فكي “عدو تحكيمي متربص”، بدلاً من أن يتساءل بعقلانية: كيف لفريق بمليارات يجد صعوبة بالغة في تجاوز منافس أرهقته الأزمات المالية؟
ليغا تيباس.. صراع الجبابرة ضد المعدمين!
حين نرفع الغشاوة عن أعيوننا وننظر بصلابة إلى خريطة المنافسين في الدوري الإسباني، يفرض السؤال البسيط نفسه: من نواجه أصلًا؟!
نحن نلعب في بطولة كسيحة، أنهكتها سياسات خافيير تيباس المالية، وقوانينه الصارمة، واتفاقياته الملازمة لصناديق الاستثمار، حتى أصبحت غالبية أنديتها عاجزة عن التعاقد مع حارس مرمى يقيم أود الدفاع، أو مهاجم يسد الرمق. أندية تبني تشكيلاتها بـ “الترقيع”، وتستعين بفضلة الأندية الأخرى وما تتيحه فتات ميزانياتها وهامش رواتبها الضيق.
في المقابل، يقف ريال مدريد كالقلم المذهب وسط ورقة محترقة؛ يملك قدرة استثنائية على جذب نجوم الصف الأول عالمياً موسمًا تلو الآخر، ويضم تشكيلة لا تستطيع معظم أندية “الليغا” حتى أن تحلم بنصف قيمتها السوقية أو الفنية.
ومع هذا الفارق الخرافي في الإمكانات والموارد، نرى الفريق يعجز في مباريات عديدة عن فرض أسلوب لعبه، ويترنح أمام فرق مرقعة ومواردها شحيحة!
- كيف نعجز عن ترجمة هذا التفوق المالي والفني الهائل إلى سيادة واضحة على أرض الملعب؟
- ولماذا أضحى الفوز على فرق لا تملك عُشر إمكاناتنا يبدو وكأنه إنجاز أسطوري يُنتزع بشق الأنفس وفي الأنفاس الأخيرة؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية والملحة التي ينبغي أن تُرفع بوجه بيريز وإدارته، وعلامات الاستفهام الكبرى التي يجب أن تحيط بالتخطيط الرياضي واختيارات الكادر الفني.
تخدير الجمهور.. وتحويل الضحية إلى بطل
لكن، وهنا يكمن ذكاء الآلة الإعلامية للنادي، نجحت قناة ريال مدريد في توجيه وعي الجمهور بعيداً عن هذه الأسئلة الجوهرية. خُلقت حالة من “العدو الخارجي المتربص” الجاهز دائماً لتحمّل التبعة والمسؤولية عن كل عجز تكتيكي أو سوء تخطيط في بناء الفريق.
إن الخطر الأكبر الذي يواجه ريال مدريد اليوم ليس فقط العجز الفني عن فرض الهيمنة أمام خصوم أضعف بمراحل، بل هو تزييف الوعي الجمعي لجماهيره؛ أن يقتنع الجمهور بأن هذا العجز ليس فشلاً تخطيطياً يستوجب المحاسبة الشديدة والمطالبة بالتغيير، بل هو نتيجة “مؤامرة كونية” تستدعي الاصطفاف، والتلاحم، والوقوف خلف الإدارة في معركتها المزعومة ضد منظومة التحكيم.
وبهذه الحيلة الدبلوماسية-الإعلامية الذكية، تحولت إدارة بيريز من طرف مفترض أن يوقَف في القفص ليُحاسَب على أخطائه في ملفات التعاقدات والغيابات التكتيكية، إلى “ضحية صامدة” يُطلب من الجمهور الالتفاف حولها ودعمها في “معركة الوجود”. إنه السحر الإعلامي حين يحوّل الفشل الفني إلى مظلومية، ويصنع من التقصير بطولة!


إرسال التعليق