قراءة في عقيدة الأمن القومي السعودي تجاه اليمن

حسنين خلوف (خبير استراتيجي – برلين)

تتكرر في الأدبيات السياسية والإعلامية بعض المصطلحات الفضفاضة التي تفتقر إلى الدقة الاستراتيجية، ولعل أبرزها الطرح السطحي الذي يتحدث عن “نية احتلال اليمن” من قبل المملكة العربية السعودية. ومن منظور الجغرافيا السياسية والعلوم العسكرية، فإن هذا التصور يتناقض تماماً مع طبيعة العقيدة الأمنية للرياض ومعطيات الصراع على الأرض.

الجغرافيا لا تشجع: اليمن كعقدة استراتيجية صعبة

تاريخياً وجغرافياً، يدرك صانع القرار العسكري في الرياض أن اليمن ليس بيئة قابلة للسيطرة التقليدية أو الاحتلال. فالجغرافيا الوعرة، والتضاريس الجبلية المعقدة، والعمق الديموغرافي والقبلي المتشابك، تجعل من خيار “الاحتلال العسكري المباشر” مستنقعاً استراتيجياً مكلفاً ومستحيلاً. التاريخ الحديث يؤكد أن القوى الكبرى والإقليمية التي حاولت فرض سيطرة أحادية على الجغرافيا اليمنية اصطدمت بجدار صلابة الاستنزاف طويل الأمد.

التحول من الوصاية إلى الشراكة الأمنية

لم تسعَ السعودية قط نحو فرض وصاية استعمارية أو تغيير الهوية السياسية لليمن، بل انطلقت تدخلاتها من دوافع وجودية بحتة تتعلق بـ الأمن القومي المباشر. يتمثل الهدف الاستراتيجي الأبرز للرياض في منع تحول الأراضي اليمنية إلى منصة نفوذ متقدمة لقوى إقليمية منافسة تهدد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، وتستهدف البنى التحتية الحيوية في العمق السعودي.

ولهذا السبب، انحصرت الاستراتيجية السعودية في دعم قوى الشرعية الوطنية ومؤسسات الدولة اليمنية، والاعتماد على بناء شراكات مع الأطراف المحلية القادرة على حفظ التوازن، بدلاً من التورط في إدارة الأرض بشكل مباشر.

الرهان على الحلول السياسية المستدامة

تدرك الرياض بوضوح أن حماية أمنها القومي لا تتحقق عبر الأجهزة العسكرية وحدها، بل عبر بناء تسوية سياسية شاملة تضمن استقرار اليمن ووحدته، وتحيد خطر المجموعات المسلحة العابرة للحدود. إن سياسة “الحزم الممزوج بالدبلوماسية” تعكس توجهاً براغماتياً يهدف إلى نزع فتيل الأزمات لا إلى تكريس الاحتلال.

الحديث عن “احتلال سعودي لليمن” هو قراءة مضللة لطبيعة الصراع. فالمملكة تخوض معركة دفاعية استراتيجية لتأمين حدودها وعصبها الاقتصادي، وضمان ألا يتحول جارتها الجنوبي إلى خاصرة رخوة تدار منها حروب الووكالة الإقليمية، بعيداً كل البعد عن أوهام السيطرة الاستعمارية التي رفضها التاريخ والجغرافيا معاً.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك