متى يقع أقوى زلزال في العالم؟

بقلم الكاتب: منير عليلو

بين الفيزياء الجيولوجية وحتمية الحدوث: متى يقع أقوى زلزال في العالم؟

ظلّ القلق المتربط بالنشاط الزلزالي لكوكب الأرض أحد أكثر الهواجس الدائمة التي تؤرق المضجع البشري؛ إذ يقف الإنسان الحديث بكل ما أوتيه من تقدم علمي وتكنولوجي عاجزاً أمام ثورة الطبيعة المفاجئة. ولعل السؤال الأكثر تعقيداً ودورانًا في أروقة مراكز الرصد والجامعات البحثية هو: متى يقع أقوى زلزال في العالم؟ وهل يستطيع العلم تحديد زمه ومكانه بدقة؟

تتناول هذه المقالة البحثية الإجابة عن هذا السؤال من منظور الفيزياء الجيولوجية (Geophysics) وتكتونية الصفائح، مبيّنة الحدود الفاصلة بين القدرة على “التنبؤ” والقدرة على “التقييم والاحتمال”.

أولاً: أين تكمن مكمن القوة؟ (البيئة الجيولوجية لأقوى الزلازل)

قبل الإجابة عن التوقيت، يجب فهم البيئة التي تُنتج أكبر الزلازل طاقةً في التاريخ (والتي تتجاوز درجاتها 9.0 على مقياس ريختر أو مقياس العزم الزلزالي):

  1. نطاقات الاندحار (Subduction Zones):تحدث أقوى الزلازل المسجلة تاريخياً—مثل زلزال تشيلي الشهير عام 1960 (بقدر 9.5) وزلزال ألاسكا عام 1964 (بقدر 9.2)—عندما تنزلق صفيحة محيطية كبرى تحت صفيحة قارية.
  2. حزام الناري (Ring of Fire):تُعد منطقة حزام النار في المحيط الهادئ المسرح الرئيسي لأكثر من 80% من أقوى الزلازل في العالم؛ نظراً لاحتوائها على أكبر وأنشط أصدع الاندحار الكوكبية.

ثانياً: إشكالية التنبؤ الزمني (لماذا لا يمكن تحديد “متى” بدقة؟)

حتى اللحظة الراهنة، يُجمع المجتمع العلمي الدولي وعلماء الزلازل (Seismologists) على أنه لا توجد أي أداة علمية قادرة على التنبؤ بتاريخ وساعة وقوع زلزال محدد بدقة. والسبب في ذلك يعود إلى الطبيعة الديناميكية المعقدة لباطن الأرض:

  • الاحتياطي الإجهادي غير المرئي: تتراكم الضغوط والتصدعات بين الصفائح التكتونية على مدى عقود أو قرون. تحرك هذه الصفائح يماثل ضغط “زنبرك” هائل، لكن نقطة الصدع النهائية (Rupture Point) تتأثر بمتغيرات ميكروية غير قابلة للقياس المباشر على أعماق سحيقة.
  • غياب المؤشرات القاطعة: القراءات الفيزيائية مثل التغيرات في انبعاثات غاز الرادون، أو التغيرات الكهرومغناطيسية، أو الهزات الاستباقية، لا تُعد أدلة جازمة؛ فقد تظهر دون وقوع زلزال كبير، وقد يقع الزلزال دون أن تسبقه أي إشارة تحذيرية.

ثالثاً: المقاربة العلمية البديلة (احتمالية حدوث الزلزال العظيم)

بدلاً من السؤال عن التوقيت الدقيق، يستعيض العلم بـ “التنبؤ الاحتمالي مستقبلاً” (Probabilistic Seismic Hazard Assessment)، والذي يعتمد على دورة إعادة الشحن الزلزالي (Seismic Cycle):

  1. الدورية الزمنية للصدوع الكبرى:تدرس المراكز الجيولوجية التاريخ الزلزالي لصدوع محددة؛ فإذا كان صفيحتان تتراكمان بمعدل 5 سنتيمترات سنوياً، وحصل آخر زلزال مدمر قبل 300 عام، فإن العجوزات التكتونية تشير إلى أن الصدع “ناضج” وهناك احتمال مرتفع لوقوع الزلزال العظيم (The Big One) في أي وقت خلال العقود القادمة.
  2. المناطق الأكثر ترشيحاً:
    • صدع سان أندرياس (كاليفورنيا): تُشير البيانات الجيوفيزيائية إلى تجاوز المدى الزمني المتوقع لزلزال كبير يضرب المنطقة.
    • منطقة خندق نانكاي (اليابان): تشير التقديرات الرسمية للشركات العلمية إلى وجود احتمال بنسبة 70% إلى 80% لوقوع زلزال هائل بقدر 8 إلى 9 درجات خلال الثلاثين سنة القادمة.

خلاصة واستنتاج

إن السؤال عن “متى يقع أقوى زلزال في العالم؟” لا يمتلك إجابة بساعة ومكان محددين على الروزنامة، بل يمتلك إجابة احتمالية حتمية مفادها: إن أقوى زلزال سيحدث عندما تتجاوز طاقة الضغط المكتنزة في باطن الصفيحة حدود المقاومة الصخرية للصدع.

وأمام هذه الحقيقة الجيولوجية، ينصرف الجهد العلمي اليوم من محاولات التنبؤ العابثة إلى إستراتيجيات الحد من المخاطر؛ عبر بناء البنيات التحتية المقاومة للزلازل، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر التي تمنح ثواني معدودة لإنقاذ الأرواح، لأن الطبيعة تستمر في كتابة مواعيدها الخاصة بعيداً عن حسابات البشر.

توقيع:

منير عليلو

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك