عندما يعود الشهداء.. ترنيمة عشق معلقة بين جبال الجزائر وبوابة القدس

كريمة حسناوي

“حين يعود الشهداء.. نفتح لهم باب البيوت، ونعيد ترتيب الطاولة والشموع…”

تتردد هذه الكلمات العميقة بصوت مرسيل خليفة الموشح بالحنين، فتتدلى من أوتار الروح كأنها نبوءة أبدية لا تنتهي. وهناك، في تلك المساحة الفاصلة بين الوعي والغيب، تقف بلادي الجزائر، ومعها الحبيبة فلسطين، على حافة انتظار مقدس. ليس انتظاراً لعابر سبيل، ولا ترقباً لنشرة أوبئة أو أزمات، بل هو شوقٌ جارف يشبه رائحة التراب المبلل بالمطر الأول، وحنينٌ يحمل في طياته مرارة الفقد وعظمة الانتماء.

لو أن الشهداء يرجعون يوماً، لو أن الأرض تفتح صدورها العتيقة لتلفظ أحباباً ما ماتوا قط بل استقروا في قاع الذاكرة، لمن ستكون التحية الأولى؟

أولاً: في حضرة الجزائر.. حيث للأرض دمعة وذاكرة

حين يعود شهداء الجزائر، لن يجدوا شيئاً غريباً؛ فالجبال الشامخة في جرجرة والأوراس ما زالت تحفظ أصوات خطواتهم الحافية، والسهول الواسعة ما زالت تطبع على أديمها حكايات الفداء. الجزائر ليست مجرد جغرافيا على خريطة باهتة، بل هي قصيدة دمٍ كتبها مليون ونصف المليون شهيد بحبر الإباء. وحين تحن للوطن، فإنك لا تحن للجدران والإسفلت، بل تحن لذلك الشعور العارم بالأمان الذي يغمرك وأنت تدرك أنك تمشي على أرض لم تترك يوماً أبناءها يركعون. إن حب الجزائر في القلب يشبه وجع العشق الأبدي؛ كلما أراد المرء أن يهرب منه، جذبتْه ريح الشوق إلى عتبات قسنطينة البهية، ووهران الصاخبة، وبهاء الصحراء المترامية الأطراف.

ثانياً: بوابات القدس.. حيث ينتظر الشهداء طيف العودة

وإذا سرنا مع قوافل الحنين قليلاً نحو الشرق، حيث تقف فلسطين كزهرة كبرياء نازفة، سنرى الشهداء هناك يرتدون كوفياتهم المضمخة بدم الزعتر والزيتون، متكئين على أسوار القدس، ينتظرون ذلك الوعد الحق. فلسطين ليست قضية سياسية تُطرح على طاولات المفاوضات، ولا خبراً عابراً في نشرات المساء؛ إنها نبض الروح لكل جزائري وعربي حر. وحين يغني مرسيل خليفة للشهداء، فإن صوته يعبر الحدود الوهمية التي صنعها المستعمر، ليطوف بين شوارع الجزائر العاصمة وأزقة القدس القديمة، رابطاً بين جزائر المليون شهيد وفلسطين التي لا تكسرها السناسل.

الوطن ليس مكاناً.. بل هو نبض في صَدْر الغياب

الوطن، في معناه العميق، ليس مساحة جغرافية نقيم فيها، بل هو تلك الحالة الروحية المتأصلة فينا حين نعجز عن النسيان. ولو عاد الشهداء يوماً، لأخبرونا أننا ما خنا العهد، وأننا ما زلنا نحمل جمر القضية في أيدينا رغم أتون الرياح العاتية.

إلى الجزائر الأبدية، وإلى فلسطين الساكنة في حدقة العين، نقول بصوت مرسيل المرتعش عشقاً: سنبقى ننتظر، حتى لو طال الغياب، فالحنين إليكما هو الوطن الوحيد الذي لا يمكن إسقاط جنسيته من قلوبنا!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك