من يتعب أكثر: السجين أم السجان؟
سليمان زكريا
يبدو السؤال للوهلة الأولى محسوباً بحسابات الجغرافيا والجسد؛ فمن يقبع خلف قضبان الحديد، مسلوب الإرادة، محاط بالجدران الصماء، هو المتضرر الأول وهو من يكتوي بنار الحرمان. غير أن الغوص العميق في سيكولوجية المؤسسات العقابية وديناميكيات الحياة اليومية داخل السجون يفتح الباب أمام مقارل فلسفية وإنسانية معقدة: من يتعب أكثر حقاً.. السجين الذي يحمل ثقل القيد، أم السجان الذي يحمل مفتاحه؟
إن التعب خلف الأسوار ليس نوعاً واحداً، بل هو صراع قاسي بين عناء الجسد والروح من جهة، وعناء العقل والضمير من جهة أخرى.
أولاً: السجين.. عناء القيد، وضياع الزمن، واجترار الحرية
لا شك أن السجين يخوض معركة وجودية قاسية كل ثانية؛ فالتعب بالنسبة له يأخذ أشكالاً عدة:
- عناء الحرمان والاشتياق: أثقل ما يواجه النزيل هو فقدان حريته، وابتعاده القسري عن أهله وأحبابه، وانهيار تفاصيل حياته الطبيعية ليحل محلها روتين رمادي قاسي.
- عناء الزمن المتوقف: الزمن في السجن لا يمر، بل يتجمد ويتحول إلى عبء ثقيل يضغط على أعصاب النزيل. كل دقيقة تُقضى خلف القضبان هي استنزاف نفسي مستمر واجترار للندم أو القلق من المجهول.
- الصراع الداخلي: يعاني السجين من العزلة ومواجهة ذاته، محاولاً حماية عقله من التداعي وسط بيئة مغلقة تخلو من المتنفس الطبيعي للحياة.
ثانياً: السجان.. عناء الحذر المستمر، وارتداء قناع القسوة
في المقابل، يظن البعض أن السجان هو الطرف “المرتاح” لأنه يغادر السجن نهاية ورديته؛ لكن الحقيقة النفسية والمهنية تخفي وجهاً آخر للتعب:
- سجن من نوع آخر (الاعتقال النفسي): السجان يقضي ساعات طوالاً داخل ذات البيئة المغلقة، محاطاً بطاقة سلبية هائلة من التوتر، والقلق، والغضب الكامن بين النزلاء. إنه “مسجون” باتفاق عمله، ويدفع من أعصابه وزنه ذهباً.
- عناء اليقظة الدائمة: الحارس لا يملك رفاهية السهو أو الاسترخاء؛ خطأ بسيط أو لحظة غفلة قد تكلفه حياته أو أمن المؤسسة. إنه محكوم بحالة استنفار عصبي دائم وتوجس مستمر من أي تمرد أو طارئ.
- التآكل الإنساني (قناع القسوة): لكي يستمر السجان في عمله، يضطر أحياناً لكتم مشاعره الإنسانية وارتداء درع الغلظة والصرامة، وهو ما يؤدي بمرور الوقت إلى إرهاق نفسي عميق واضطرابات عاطفية تنعكس حتى على حياته الأسرية خارج أسوار السجن.
ختاماً.. لمن الكفة الأرجح في ميزان العناء؟
إذا قسنا التعب بميزان الجسد والحرية المسلوبة، فلا قياس ولا مقارنة؛ السجين هو من يدفع الثمن الأبظظ والأثقل من عمره وروحه.
ولكن إذا قسناه بميزان الأعصاب المشتعلة، والتآكل النفسي البطيء، فإن السجان يعيش سجنًا خفيًا خلف مفاتيحه. إنهما في النهاية أسيران في معمار واحد؛ أحدهما تحبسه القضبان من الخارج، والآخر تحبسه الوظيفة والمسؤولية من الداخل. كلاهما يتذوقان مرارة الأسوار، بطريقتين مختلفعتين تماماً.



إرسال التعليق