طوفان الأقصى: قراءة في ميزان الاستنزاف العسكري وتحولات الصراع الاستراتيجي

اللواء متقاعد عبد الباقي جبير

في إدارة الصراعات المسلحة والحروب المركبة، لا يُقاس الموقف العسكري بردود الفعل الانفعالية أو بالشعارات الظاهرية، بل يُخضع لمنهجية “تحليل الجدوى الاستراتيجية” وقياس حجم التغير في بنية القوة وتوازن الردع. وحين نضع عملية “طوفان الأقصى” على طاولة التشريح العسكري والتحليل المجرد من العاطفة، منذ لحظة انطلاق شرارتها الأولى في السابع من أكتوبر وحتى يومنا هذا، سنجد أننا أمام محطة فارقة أعادت هندسة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط برمته.

أولاً: كسر أسطورة الردع المطلق وإعادة كتابة العقيدة القتالية

من منظور الفن العسكري الكلاسيكي، نجحت عملية السابع من أكتوبر في توجيه ضربة هيكلية ومزلزلة لمنظومة الأمن القومي الإسرائيلي، معتمدة على مبدأ “الهجوم المباغت والعميق” داخل خطوط الدفاع المتقدمة للخصم. لقد أثبتت هذه الجولة أن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي المطلق ليس عصياً على الاختراق إذا توفرت الإرادة، والتخطيط اللامركزي، والعقيدة القتالية الصلبة.

على مدى سنوات المواجهة الطويلة التي أعقبت الطوفان، وح رغم التباين الهائل في موازين القوى المادية والنارية، استطاعت المقاومة فرض نمط حرب العصابات والأنفاق المعقدة، مما حول قطاع غزة إلى بيئة عملياتية بالغة القسوة والتعقيد على وحدات الجيوش النظامية، معطلةً أهدافها الكبرى في الحسم السريع.

ثانياً: استراتيجية الاستنزاف الطويل وهشاشة العمق الإسرائيلي

عسكرياً، الانتقال من مرحلة “الاشتباك السريع” إلى أمد “الحرب الممتدة” يخدم نظرياً الطرف المهاجم إذا استطاع المحافظة على تماسكه التنظيمي، وهو ما شكل المعضلة الكبرى للاحتلال.

  • لقد كشف طوفان الأقصى وتداعياته المستمرة عن هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية للكيان، نتيجة حالة الاستنزاف الدائم، وتعطيل شرايين الحركة والنقل، وإبقاء ملايين السكان تحت طائلة التهديد الصاروخي والإنذارات المبكرة.
  • جبهات الإسناد الإقليمية التي فُتحت توازياً مع المعركة أعادت إحياء عقيدة “تعدد جبهات القتال”، مما أجبر القيادة الإسرائيلية على إعادة توزيع مواردها العسكرية والاقتصادية المحدودة على جبهات متعددة، شتت جهدها الاستراتيجي وأجهد منظومات دفاعها الجوي وطاقتها البشرية في الاحتياط.

ثالثاً: التكلفة الإنسانية الباهظة مقابل المكسب الاستراتيجي بعيد المدى

لا يمكن لأي محلل عسكري منصف أن يغفل حجم الكارثة الإنسانية والدمار الهائل في البنى التحتية الذي تعرض له قطاع غزة نتيجة آلة الحرب الإسرائيلية المفرطة في استخدام القوة التدميرية العشوائية. غير أن التاريخ العسكري يعلمنا أن “حروب التحرير والاستنزاف” غالباً ما تُدفع أثمانها باهظة في البداية لتغيير المعادلات السياسية الكبرى في الخواتيم.

لقد أعادت قضية فلسطين لتتصدّر سلم أولويات الاجندة الدولية والإقليمية بعد أن كادت تُمطى نحو مسارات التهميش والنسيان، وأسقطت استراتيجيات التطبيع بمعزل عن الحل الجذري للقضية المركزية.

إن “طوفان الأقصى” ليس مجرد معركة عابرة في دفاتر التاريخ العسكري، بل هو حدث مؤسس لمرحلة ما بعد انهيار نظرية “الردع بالوكالة والأمن الناجز” لإسرائيل. لقد أثبت مسار السنوات الماضية أن الجيوش مهما بلغت من متانة التسلح، تعجز عن تدمير إرادة قتالية تستند إلى عقيدة أرض ومقاومة شعبية. الصراع اليوم دخل مرحلة العض على الأاصابع، والمنتصر فيها ليس من يملك طائرات الدمار فحسب، بل من يملك القدرة الأطول على الاحتمال والصمود السياسي والميداني

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك