في ذكرى الصمود الأسطوري: غزة تعري المشروع الاستعماري وتفتح أبواب التحول الدولي
عبد اللطيف نواس بلجي
تمر الذكرى الثالثة لملحمة أكتوبر المجيدة، لتكشف عن فصل استثنائي من صمود أسطوري سطره الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة والقدس والشتات. في مواجهة حرب إبادة همجية مدعومة بآلة البطش الإسرائيلية وتواطؤ الأساطيل الأطلسية، لم يقتصر الثبات الفلسطيني على مجرد الدفاع عن النفس، بل امتد ليزلزل أركان المشروع الصهيو-استعماري ويغير وجه الخريطة السياسية والأخلاقية للعالم.
سقوط القناع ونزع الشرعية عن الاحتلال
لقد نجح الدم الفلسطيني الزكي وعزم الصامدين تحت ركام الدمار في إنجاز ما عجزت عنه عقود من الدبلوماسية؛ إذ سقط القناع عن الوجه الحقيقي لدولة الاحتلال، متكشفةً للعالم أجمع كدولة فاشية تمارس التطهير العرقي والتنكيل المنهجي. والأكثر أهمية هو تفكيك تلك الأكاذيب والذرائع الواهية المرتبطة بما يسمى “معاداة السامية”، والتي طالما اتخذها الاحتلال غطاءً سياسياً وقانونياً لجرائم القتل، والاعتقالات الجماعية، ومصادرة الأرض وتهويدها، في محاكاة مشينة لاستنساخ أبشع تجارب التمييز العنصري في جنوب إفريقيا.
هذا الصمود أثمر عزلة دولية غير مسبوقة لإسرائيل، وتوسيعاً ملحوظاً في دوائر الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، لترتفع أسهم الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة استناداً إلى الشرعية والقوانين الدولية كحق أصيل لا يمكن تجاوزه.
عهد الوفاء للتضحيات
في خضم هذه المعركة الطاحنة والمواجهة المعقدة، يقف أبناء غزة والضفة والقدس والشتات على عهد وثيق: ألا تذهب هذه التضحيات الجسام هباءً. إن التمسك بالأرض والبقاء عليها، ورفض كل مشاريع التهجير والتشريد، يمثلان السور الحصني الذي سقطت دونه كل أحلام التصفية والاستعمار.
خارطة طريق من الحرب إلى الاستقرار
ولأن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب رؤية استراتيجية واضحة تضمن عدم ضياع ثمار الصمود، فقد وضعت القوى الوطنية، وفي طليعتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، استحقاقات عاجلة للانتقال بالقطاع من أتون الحرب والدمار إلى فضاء الأمن والاستقرار، ترتكز على محاور أساسية لا غنى عنها:
- الوقف الشامل للعدوان: إلزام دولة الاحتلال بوقف أعمالها الإجرامية والمجازر اليومية، وإرغامها على العودة إلى الخطوط الفاصلة عملاً بالقرارات الأممية ذات الصلة.
- التمكين الإداري والمدني: المباشرة الفورية لتمكين “اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة القطاع” من تولي مسؤولياتها الكاملة في تسيير الشأن العام وإحياء الإدارة المدنية.
- فتح المعابر والإغاثة: كسر الحصار عبر فتح المعابر على مصراعيها وإدخال المساعدات الإنسانية والطبية غير المشروطة بالكميات التي تلبي الاحتياجات اليومية الملحة للساكنة.
- التعافي والإعمار: إطلاق ورشة وطنية وعربية ودولية واسعة النطاق لإعادة بناء المنظومات المختلفة للبنية التحتية، تمهيداً لتعافي القطاع.
- الأمن والاستقرار الدولي والمحلي: انتشار قوات استقرار دولية إلى جانب الشرطة الفلسطينية لتوفير الأمن وحماية المدنيين وإرغام قوات الاحتلال على الانسحاب للخط الفاصل مع المستوطنات.
- وحدة المصير والمشروع الوطني: إعادة ربط أواصر الربط العضوي والسياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية في إطار المشروع الوطني الجامع، وإطلاق مسار سياسي دولي يكفل لشعبنا نيل استقلاله التام وتجسيد حق العودة.
إن غزة اليوم، وإن كانت تضمّد جراحها النازفة، إلا أنها ترسم بمداد الصمود والثبات ملامح مرحلة جديدة ينكفئ فيها المشروع الاستعماري وينهض الحق الفلسطيني شامخاً نحو حتمية الحرية والاستقلال.


إرسال التعليق