مذكرات ضابط شرطة في الريف… تاجر المخدرات

جميل مرتضى

الحلقة الخامسة: سمومٌ في أعدال الطحين

ظننتُ أن انقشاع غبار قضية “مغارة وادي الصفا” واقتعاد “أبي رشيد” خلف أشرطة السجن سيعيد السكينة لأيامنا في “عين التوت”. غير أن الجبال القاسية لا تترك لك وقتاً لتنشق هواء الطمأنينة؛ فالجريمة في هذه القرى كأعشاب العليق القذرة، متى قطعت أصلها من مكان، أخرجت رؤوسها السامة من ثقبٍ آخر.

في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، مع هبوط أولى شواهد الثلج على القمم، لاحظتُ تغيراً مريباً يسري في عروق الضيعة. شبابٌ في بعمر الورد، من أبناء الفلاحين البسطاء، أخذوا يترددون على أزقة المخفر بعيونٍ غائرة وأجسادٍ واهنة تتصادق مع الهزال، يتملسهم خمولٌ غريب وانكسارٌ لا تشبهه إلا أحوال من سُقوا مادة المورفين أو سموم الحشيش والأفيون القادمة عبر الحدود الشرقيّة.

كانت الضيعة تُسرّ بالنحيب؛ أمهات يندبن أرزاقهن التي تتبخر من البيوت، ووالدون يشتكون سرقة المصاغ وبيع المواشي في سوق الأحد بأسعار بخسة، دون أن يجرؤ أحدٌ على الحديث علناً خوفاً من العار أو انتقام السلسلة الخفية.

جلس الدركي “حليم” أمامي يغلي إبريق الشاي على الفحم، وقال بنبرة ملؤها الحيرة: — “حضرة الملازم، السم يتفشى كالوباء! هؤلاء المساكين لا يملكون ثمن قوت يومهم، فمن أين يأتيهم هذا البلاء الذي يذهب بعقولهم؟”

فتحتُ دفتري الجديد، وشرعتُ أربط الخيوط البسيطة:

  1. المورد ليس من داخل الضيعة؛ فالفقر هنا أصيل، والتجار معروفون حبةً حبة.
  2. المادة تأتي في أيام محددة؛ إذ تشتد حالات “الضياع” بين الشباب صبيحة كل يوم أربعاء.
  3. اليوم الوحيد الذي تدخل فيه شاحنة تموين خارجية للضيعة هو يوم الثلاثاء ليلاً.. شاحنة “أبو سليم”، بائع الطحين والمؤن القادم من نواحي البقاع!

كان “أبو سليم” رجلاً خفض الجناح، يرتدي جبة دافئة، ويواظب على توزيع صدقات الخبز على فقراء القرية أمام أعين الجميع، مما جعله فوق الشبهات، ينظر إليه الأهالي كقديسٍ يطعم جياع الثلج.

قررتُ ألا أستعين بالحرس هذه المرة. أخذتُ “خليل” —الذي أصبح عيناً لي في الوديان بعد رد اعتباره— والدركي “حليم”، وتسللنا تحت خط المطر العزير نحو “طاحونة الوادي” المتروكة عند طرف القرية، حيث تفرغ شاحنة أبي سليم حمولتها ليلاً قبل توزيعها على الدكاكين في الصباح.

كمنّا بين شجيرات العليق والصخور القاسية. كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل حين توقفت الشاحنة الثقيلة ذات العجلات الخشبية. نزل أبو سليم، يرافقه رجلان يرتديان الكوفيات الحورانية ويحملان خناجر طويلة.

بدأوا بنقل أعدال (أكياس) الطحين. لكن المعاينة الدقيقة كشفت الخدعة؛ بعض الأكياس كانت تُعلم بضربة بقلم أحمر على قماشها الخيشي.

اقترب أبو سليم من أحد الأكياس المعلمة، شقه بسكين صغير، واستخرج منه أكياساً جلدية صغيرة مدموغة بالشمع الأحمر، تحتوي على معجون الأفيون وقطع الحشيش الشامي الفاخر!

همس الشقي الأول لأبي سليم بصوت جاف: — “هذه الشحنة لشباب ‘عين التوت’ والقرى المجاورة. الزبائن في انتظارك يا أبا سليم، والمال الوفير أجهز من الذهب!”

ابتسم أبو سليم ابتسامة جشعة، مسح شاربه المتبلل، وقال: “الطحين يطعم أجسادهم، وهذا الشحوم تُطعم جيوبنا وتضمن ألا يرفع أحدٌ منهم رأسه بوجهنا!”

في تلك اللحظة، رفعتُ مسدسي “الويبلي”، وخطوتُ بثبات إلى قلب الضوء الباهت الصادر من فانوس الشاحنة: — “لكن القانون سيكسر جشعك يا أبا سليم! ألقوا السلاح فوراً!”

ارتبك الرجال، وسحب أحد المهربين خنجره ليقفز نحوي، لكن رصاصة حازمة من بندقية حليم استقرت في الأرض تحت قدميه لتجبره على الجثو. حاول أبو سليم الركض نحو أحراش السنديان، غير أن “خليل” كان له بالمرصاد؛ فقضى عليه بطبطبة أرضية أسقطته في الوحل الممزوج بالطحين الأبيض والسموم السوداء!

مع شروق الشمس، كانت الشاحنة متوقفة أمام المخفر، والأعدال الملغومة بالسموم معروضة في ساحة الضيعة. وقف أهالي “عين التوت” في ذهول تام وهم يرون “قديس البركة” مكبلاً بالحديد، والشرطة تستخرج الكيلوغرامات المخبأة في أحشاء الطحين.

تقدمت إحدى الأمهات الثكالى، ونظرت إلى أبي سليم الملطخ بالوحل والطحين، ثم التفتت إليّ والدوع تترقرق في عينيها: — “كنتَ تحمي أجسادنا من البارود يا حضرة الضابط، واليوم حميتَ عقول أبنائنا من السم.. ألوف البركات لرتبتك!”

رفعتُ القلم في دفتري، وسجلتُ في المحضر: “إن أشد أعداء القرى ليس قطاع الطرق الذين يحملون السلاح علناً، بل أولئك الذين يرتدون ثياب القديسين ويبيعون الموت المبكّر في أكياس القوت.”

أغلقتُ المحضر، والتفتُّ إلى جبال الضنية المحاصرة بالثلج، متسائلاً: أي سرٍّ جديد تخبئه لي هذه الوديان المغطاة بالبياض؟

(تتبع الحلقة السادسة…)

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك