صناعة الأوهام وتزييف الوعي: أكاذيب التيارات الأيديولوجية في محرقة ليبيا وسوريا
الكاتبة: أنوار عبد العظيم
حين اندلعت الاحتجاجات الشعبية في العالم العربي مطلع العقد الماضي، كانت الشعوب تبحث عن حريتها، كرامتها، وعدالتها الاجتماعية. غير أن الساحات السياسية والفكرية لم تكن خالصة لبراءة المطالب، بل دخلت على خط الأزمات تنظيمات أيديولوجية عابرة للوطنيات—على رأسها تنظيم الإخوان المسلمين وما دار في فلكه—لتتحول الثورات في تقديراتهم إلى “غنائم تنظيمية” ومسرح واسع لتنفيذ أجندات حزبية ضيقة. ولعل الأثر الأكثر تدميراً لهذه الممارسات لم يكن فقط في ميدان السياسة، بل في حرب تزييف الحقائق واختلاق الأكاذيب المنهجية التي غذّت أتون الحروب الأهلية في كل من ليبيا وسوريا، وفتحت الأبواب على مصراعيها للتدخلات الخارجية والدمار الشامل.
أولاً: ليبيا.. سقوط شعارات “نصرة المظلوم” في مستنقع الميليشيات
في الحالة الليبية، رفعت التيارات الإسلاموية شعارات حماسية براقة تدعي حماية المدنيين ونصرة الثورة ضد نظام القذافي. لكن ما إن سقط النظام حتى تكشفت الحقيقة المرة؛ حيث تم استبدال مؤسسات الدولة الوطنية بشبكات من الميليشيات المسلحة والمجالس الموازية التي تحالفت مع الأجندات الإقليمية.
لقد قامت الآلة الإعلامية التابعة لهذه الجماعات بترويج منظومة متكاملة من الأكاذيب والبروباغندا لتبرير السيطرة على مفاصل الدولة، ووصم كل معارض لسياساتهم بالردة أو الموالاة للنظام السابق. تحولت ليبيا بفعل هذه الألاعيب السياسية والتنظيمية إلى دولة فاشلة، تتجاذبها التدخلات الأجنبية، بينما ظلت القيادات الحزبية تتقاسم غنائم السلطة على أشلاء الوطن، متجاوزة كل خطابات “الوطنية” التي كانت ترفعها زوراً وبحُجة الدين.
ثانياً: سوريا.. المتاجرة بالدم السوري وتزييف ساحات المعارك
أما في الملف السوري، فقد كانت المأساة أعمق وأكثر دموية. لقد تم تحويل المعاناة الإنسانية الهائلة للشعب السوري الباحث عن حريته إلى مادة رخيصة في المزايدات السياسية الإقليمية والدولية.
- تفننت الآلة الإعلامية الإخوانية ومن لف لفيفها في اختلاق القصص، وفبركة مقاطع الفيديو، وتضخيم الوقائع أو اختراعها من عدمها، لإضفاء طابع “ديني مقدّس” على صراع كان يتطلب العقلانية ورص الصفوف الوطنية.
- تم إقصاء القوى الوطنية المدنية المعتدلة، واستبدالها بخطابات طائفية وإقصائية أسهمت بشكل مباشر في عسكرة الثورة وتحويلها إلى حرب عالمية مصغرة على الأرض السورية.
كلما واجهت هذه التنظيمات إخفاقاً ميدانياً أو سياسياً، لجأت إلى سلاحها الأثير: صناعة الوهم وتزوير الحقائق وإلقاء التهم يميناً ويساراً، لإقناع أتباعهم بأنهم على حق دائم وأن العالم أجمع يتآمر عليهم، متناسين أنهم كانوا شركاء فاعلين في تمزيق النسيج الاجتماعي السوري وإطالة أمد عذاب الملايين.
ثالثاً: خطيئة تسليع الدين وبيع الوهم للشباب
إن الخطرة الكبرى في أداء هذه التنظيمات لم تكن في تزييف الحقائق السياسية فحسب، بل في “تسليع الدين” وتحويل النصوص والأخلاق إلى أدوات بروباغندا رخيصة. لقد تم استدراج آلاف الشباب المغرر بهم إلى محارق الموت في ليبيا وسوريا تحت يافطة “الجهاد ونصرة المستضعفين”، بينما كانت قيادات الصف الأول تنعم بالعواصم الفارهة والغرف المغلقة تدير الصراع بالوكالة عن قوى خارجية لا تضمر للوطن العربي إلا الشر والتقسيم.
إن الحقيقة مهما طال أمد طمسها بالدعاية والأكاذيب، لابد أن تشرق يوماً. لقد أثبتت تجارب الربيع العربي الدامية في ليبيا وسوريا أن الخطاب الأيديولوجي القائم على الخداع، وتزييف الحقائق، والمتاجرة بآلام الشعوب، لا يورث سوى الخراب والدمار. وإن استخلاص العبر من هذه المحارق التاريخية يتطلب وعياً شعبياً جماعياً يقظاً، يرفض تسليع الدين أو تحويل الأوطان إلى حقول تجارب لمشاريع حزبية فاشلة.



إرسال التعليق