مذكرات ضابط شرطة في الريف… شبحٌ في غابة الصنوبر

بقلم: جميل مرتضى

الحلقة السادسة: شبحٌ في غابة الصنوبر

حلّ كانون الأول/ديسمبر ثقيلاً على “عين التوت”. أغلقت الثلوج الكثيفة الطرقات التي تربطنا ببطاح طرابلس، وغدت الضيعة كجزيرة حجرية بيضاء مقطوعة عن العالم، تحاصرها ريحٌ هوجاء تصفر بين أزقتها كأرواحٍ حائرة.

في هذه العزلة القاسية، تحولت ليالي المخفر إلى جليدٍ لا يكسر حدّته إلا أزيز الحطب في الموقدة الحجرية. غير أن صمت الثلج لم يدم طويلاً؛ فسرعان ما أتى من يخدشه برعبٍ جديد.

في منتصف ليلةٍ قارسة، اقتحم المخفر المواطن “أبو نعيم”، وهو راعٍ طاعن في السن عاش عمره بين الشِعاف والوديان. كان وجهه أصفر كالموت، وشواربه الثلجية ترتجف من الهلع لا من البرد.

أنزلته قرب الموقدة، وسكبتُ له فنجان شايٍ دافئ، فاستجمعت أنفاسه وقال بصوتٍ خفيض يتلفت حوله:

— “حضرة الملازم.. ‘الشبح’ عاد إلى غابة الصنوبر! رأيته بعينيّ هاتين قرب شير المزرعة.. ينبش تحت الصخر، وله هيئة رجلٍ مدججٍ بالسلاح يرتدي معطفاً عسكرياً بريطانياً القديم!”

تبادل الدركي “حليم” معي نظراتٍ ملؤها الشك. فالإشاعات عن وجود “شبح” يتجول في أطراف الضيعة كانت تردنا بين الحين والآخر، لكننا كنا نعزوها لشطحات خيال الرعاة في الليالي المظلمة. غير أن توقيت الظهور هذه المرة —بعد قطع الممرات بالثلج— كان يخفي وراءه شأناً أكبر من أساطير العجائز.

قلتُ لحليم وأنا أرتدي معطفي الصوفي الثقيل وأسلّك مسدسي الـ “ويبلي”:

— “الأرواح لا تنبش الأرض يا حليم، ولا ترتدي معاطف بريطانية في منتصف الليل. احمل بندقيتك، سنذهب لاستكشاف هذا الشبح قبل أن يغطيه الثلج.”

سار بنا الراعي “أبو نعيم” بشعاع فانوسٍ باهت بين أمتار الثلج المتراكم. كانت غابة الصنوبر مظلمة كجبٍّ مهجور، وأصداء الريح بين أغصانها العارية تصنع حفيفاً يثير القشعريرة في الأبدان.

وصلنا إلى “شير المزرعة”. وبواسطة منظاري العسكري، لمحتُ خطوط حركةٍ غير منتظمة بين الأشجار. كان هناك بالفعل رجلٌ يتكئ على جذع صنوبرة عتيقة، يحمل فأنوساً صغيراً ومجرفة، وينبش بعنفٍ في بقايا ترابٍ لم يصله الثلج تحت حافة الصخر!

تسللنا بحذرٍ شديد بين جذوع الأشجار حتى أصبحنا على بعد بضع خطوات منه. صاح حليم بنبرة حازمة:

— “مكانك! الشرطة! ألقِ المجرفة وارفع يديك!”

ارتبك الرجل، وارتد إلى الخلف بسرعة، محاولاً سحب قطعة سلاحٍ من تحت معطفه، لكن رصاصة تحذيرية من مسدسي أطلقتها في الهواء جعلته يتجمد في مكانه ويقع على ركبتيه فوق الثلج.

اقتربنا منه، ولما رفعتُ قبعته الفرّاصة عن وجهه بسبابة يدي، كانت المفاجأة التي أخرستنا جميعاً!

لم يكن غريباً، ولا شبحاً من الأساطير.. كان الجندي الفار “جورج”، أحد أفراد حراسة بعثة الانتداب الفرنسي التي انسحبت من المنطقة قبل أشهر!

كان الرجل هزيلاً، لحيته كثيفة ومبتلة بالماء، وعيناه تغرقان في حمى وغرقٍ شديدين.

اقتدناه إلى المخفر، وقدمنا له ما يتيسر من الحساء الدافئ. وبعد أن تسللت الحرارة إلى جسده المتيبس، أخرج من جيب معطفه خريطةً جلدية صغيرة ومبتلة، ورماها على مكتبي وقال بلغة عربية مكسرة يمتزج بها اليأس:

— “كنتُ أبحث عن وثائق الدفينة.. لم أكن أستطيع المغادرة دونها يا حضرة الضابط.”

استجوبته بهدوء، ليتكشف لي سرٌّ آخر كان غائباً عن التحقيقات السابقة:

اتضح أن هذا الجندي كان شريكاً خفياً للتجار الذين ألقينا القبض عليهم سابقاً. وكان ينبش الأرض ليلاً لاستخراج “صندوق الأرشيف السرّي” الذي يحتوي على أسماء الوجهاء والعملاء الذين كانوا يتقاضون أموالاً من القوات الأجنبية لتسهيل الفوضى وتهريب السلاح في الجبل قبل الاستقلال!

نظر إليّ الجندي الفار وقال بمرارة:

— “أنا لم أقتل أحداً.. أردتُ الأوراق فقط لأساوم بها على خروجي الآمن من البلاد!”

أخذتُ الخريطة والوثائق التي استخرجها، ووضعتها في الحفظ والصون داخل الخزنة الحديدية للمخفر. وفي تلك الليلة، وأنا أستمع إلى تساقط الثلج وهو يغطي جراح الضيعة بالبياض، أخرجتُ دفتري وسجلتُ فيه:

“يظن البعض أن الجرائم تنتهي بتصويب الرصاص أو القبض على الجناة، لكن الحقائق تكشف أن الآثام الكبرى تترك جذوراً عميقة تحت الأرض، يحاول العابثون نبشها كلما خيم الظلام.. غير أن نور العدالة لا ينطفئ ما دام هناك من يحرس الحق بضميرٍ حظِر.”

أغلقتُ الدفتر، وأنا أعلم أن الصباح القادم يحمل معه بداية انقشاع العاصفة الثلجية، وأملاً جديداً لضيعة “عين التوت” المتطلعة للحرية والاستقرار.

(تتبع الحلقة السابعة…)

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك