المادي واللامادي في العلاقات الدبلوماسية
محمد عبد الكريم يوسف
ملخص
تتناول هذه الدراسة العلاقة الجدلية بين العوامل المادية وغير المادية في تشكيل العلاقات الدبلوماسية بين
الدول. تنطلق الورقة من فرضية أن الممارسة الدبلوماسية لا يمكن فهمها بصورة كاملة من خلال
الاقتصار على أحد هذين البُعدين، بل إن التفاعل المستمر بينهما هو ما يحدد طبيعة العلاقات الدولية
ومساراتها. تعتمد الدراسة منهجاً تحليلياً يجمع بين قراءة النظريات الكلاسيكية في العلاقات الدولية – من
واقعية وليبرالية وبنائية – واستعراض نماذج تاريخية ومعاصرة تُظهر تداخل المادي باللامادي في
الممارسة الدبلوماسية. توصل الدراسة إلى أن العوامل المادية (القوة العسكرية، الموارد الاقتصادية،
الموقع الجغرافي) تشكل الأساس الملموس للقوة الدبلوماسية، غير أن العوامل غير المادية (الأفكار،
الهويات، القيم، السمعة، الجاذبية الثقافية) تمثل البُعد الذي يمنح هذه القوة معناها واتجاهها الفعليين.
وتخلص الورقة إلى أن الدبلوماسية الفعالة هي تلك التي تستوعب جدلية المادي واللامادي، وتوازن بينهما
في سياق استراتيجي متكامل.
الكلمات المفتاحية: العلاقات الدبلوماسية، القوة المادية، القوة غير المادية، الواقعية، البنائية، القوة
الناعمة، الدبلوماسية الثقافية.
أولاً: المقدمة
تشكل العلاقات الدبلوماسية واحدة من أقدم وأهم آليات التفاعل بين الدول في النظام الدولي. فمنذ نشأة
الدبلوماسية كنظام منظم للتواصل بين الكيانات السياسية، ظل السؤال قائماً حول طبيعة القوة التي تحرك
هذه العلاقات وتحدد مساراتها: هل هي القوة المادية الملموسة – الجيوش، والموارد، والثروات – أم هي
القوة غير المادية – الأفكار، والقيم، والهويات، والسمعة؟ وهل يمكن فهم الديناميات الدبلوماسية دون
استيعاب التفاعل المعقد بين هذين البُعدين؟
شهدت نظريات العلاقات الدولية نقاشاً طويلاً حول أولوية المادي على اللامادي، أو العكس. فالمدرسة
الواقعية، بزعامة مفكرين مثل هانز مورغنثاو وكينيث والتز، أرست قواعدها على أساس أن القوة –
وعلى رأسها القوة العسكرية والمادية – هي المحرك الأساسي للسياسة الدولية. في المقابل، صعدت
المدرسة البنائية منذ تسعينيات القرن العشرين لتؤكد أن “الأفكار هي التي تحدد كيف ومتى تكون المادة
مهمة”، وأن البنى غير المادية – كالهوية والمعايير – تشكل فهم الدول لمصالحها ولطبيعة التهديدات التي
تواجهها.
غير أن الاتجاه السائد في الأدبيات المعاصرة يميل إلى تجاوز هذه الثنائية، والاعتراف بأن المادي
واللامادي “بُنيان متبادلا التكوين” (mutually constitutive)، وأن “التحليل السياسي ينبغي أن يركز
على التفاعل بينهما بدلاً من تحديد أيهما الأقوى أو الأضعف”. وهذا ما تسعى هذه الورقة إلى استكشافه
في سياق العلاقات الدبلوماسية، من خلال تحليل أبعاد المادي واللامادي في الممارسة الدبلوماسية، وكيفية
تفاعلهما لتشكيل مسارات العلاقات الدولية.
ثانياً: الإطار النظري: المادي واللامادي في نظريات العلاقات الدولية
2.1 الواقعية: هيمنة المادة
تمثل المدرسة الواقعية – في نسختيها الكلاسيكية والجديدة – الموقف الأكثر تشدداً في إعطاء الأولوية
للعوامل المادية في تحليل العلاقات الدولية. فبالنسبة للواقعيين، “ينظر إلى التهديد على أنه وظيفة حصرية
للعوامل المادية مثل توازن القوة العسكرية”. وقد حلل هانز مورغنثاو، أحد أبرز منظري الواقعية
الكلاسيكية، عناصر القوة الوطنية وقسّمها إلى عوامل مادية وعوامل معنوية (أو غير مادية). في
قراءته، تشمل العناصر المادية: الموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والقدرة الصناعية، والتجهيزات
الحربية، وحجم السكان. أما العناصر غير المادية فتشمل: الشخصية الوطنية، والروح المعنوية للشعب،
وجودة الدبلوماسية، وجودة الحكومة.
غير أن مورغنثاو لم يكن يرى أن العوامل المادية كافية وحدها لتفسير القوة الوطنية؛ إذ أكد
أن “الاستخدام الفعال للقوة ينبغي أن يحافظ على التوازن بين المتغيرات المختلفة للقوة، بدلاً من التأكيد
على حتمية عامل واحد”. وهو ما يشير إلى إدراكه، وإن بشكل محدود، لأهمية البعد غير المادي.
أما الواقعية البنيوية (النيوواقعية) التي بلورها كينيث والتز، فذهبت إلى أبعد من ذلك في التركيز على
البنى المادية للنظام الدولي، وخصوصاً توزيع القدرات المادية بين الدول الكبرى، باعتبار ذلك المحدد
الأساسي لسلوك الدول. غير أن هذا التبسيط المفرط تعرض لانتقادات واسعة من التيارات النظرية
الأخرى.
2.2 الليبرالية: صعود المؤسسات والأفكار
على النقيض من الواقعية، أعطت المدرسة الليبرالية في العلاقات الدولية وزناً أكبر للعوامل غير المادية.
فقد رأى الليبراليون أن “العوامل الفكرية تحتل أهمية قصوى في إرساء مبادئ التعاون السلمي بين
الدول”، في حين أن “العوامل المادية تؤدي دوراً ثانوياً” في تصورهم.
تركز الليبرالية على دور المؤسسات الدولية، والأعراف، والقانون الدولي، والتعاون الاقتصادي، بوصفها
عوامل غير مادية (أو شبه مادية) تشكل سلوك الدول وتحد من نزوعها نحو الصراع. فالمؤسسات
الدولية، في المنظور الليبرالي، ليست مجرد انعكاس لتوازن القوى المادية، بل هي كيانات قائمة بذاتها
تعيد تشكيل تفضيلات الدول ومصالحها.
2.3 البنائية: أولوية المعنى
شكّلت المدرسة البنائية، التي برزت مع أعمال ألكسندر ويندت في التسعينيات، نقلة نوعية في النقاش
حول المادي واللامادي. فالبنائيون لا ينكرون وجود العوامل المادية – فالجيوش والموارد الاقتصادية
حقيقية – لكنهم يؤكدون أن “المعنى الذي تحمله هذه الحقائق المادية يتشكل عبر العمليات الاجتماعية
والفكرية”. فالأسلحة النووية البريطانية والكورية الشمالية متطابقة مادياً، لكن المعنى السياسي
والاستراتيجي لكل منهما مختلف تماماً بسبب السياقات الفكرية والهوياتية المختلفة.
ويذهب البنائيون إلى أن “العناصر الأساسية التي تشكل سلوك الدول هي الآراء والمصالح”، غير أن
“مفهوم المصلحة هنا ليس مفهوماً موضوعياً؛ فالمصالح – على النقيض من الواقعية – ترتبط بالأفكار
وليس بالقوة المادية”. وهذا يعني أن ما تعتبره دولة ما “مصلحة وطنية” يتحدد إلى حد كبير من خلال
هويتها، وقيمها، وتصوراتها الذاتية، وليس فقط من خلال موقعها في البنية المادية للنظام الدولي.
2.4 مورغنثاو والتوازن بين المادي واللامادي
يقدم هانز مورغنثاو، رغم انتمائه إلى التقليد الواقعي، نموذجاً مبكراً لفهم التفاعل بين المادي واللامادي.
فقد قسّم عناصر القوة الوطنية إلى “متغيرات مادية مستقرة نسبياً” (الجغرافيا، الموارد، الصناعة،
التجهيزات الحربية، السكان) و”متغيرات فكرية” (الشخصية الوطنية، الروح المعنوية، جودة
الدبلوماسية، جودة الحكومة).
غير أن مورغنثاو لم يكتف بهذا التصنيف، بل أشار إلى أن “المتغيرات الفكرية يمكنها، من خلال
التشكيل الاستراتيجي الفاعل، أن تؤثر تأثيراً كبيراً على استخلاص الموارد من العناصر المادية للقوة
وإعادة توزيعها”. وهذا يعني أن جودة الدبلوماسية – وهي عامل غير مادي – يمكنها أن تضاعف فعالية
الموارد المادية، أو على العكس، أن تُبددها. كما أشار مورغنثاو إلى أن “الروح المعنوية للشعب تؤثر
على القوة العسكرية، كما تؤثر على تصميم الحكومة في تنفيذ السياسة الخارجية”.
وبذلك يكون مورغنثاو قد وضع – قبل عقود من ظهور البنائية – أساساً لفهم التكامل بين المادي واللامادي
في السياسة الدولية.
ثالثاً: اللامادي في الممارسة الدبلوماسية: القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية
3.1 القوة الناعمة: جوهر اللامادي في الدبلوماسية
يُعد مفهوم “القوة الناعمة” (soft power) الذي ابتكره جوزيف ناي في أوائل التسعينيات، التعبير
الأكثر اكتمالاً عن البعد غير المادي في العلاقات الدبلوماسية. عرّف ناي القوة الناعمة بأنها “القدرة على
الحصول على ما تريد من خلال الجذب بدلاً من الإكراه”. وتقوم على ثلاثة موارد رئيسية: الثقافة (في
الأماكن التي تكون فيها جذابة للآخرين)، والقيم السياسية، والسياسة الخارجية (عندما ينظر إليها الآخرون
على أنها شرعية وذات سلطة أخلاقية).
ويعكس هذا المفهوم “الأهمية المتزايدة للعوامل غير المادية في ممارسة القوة في ظل العولمة،
والتمويل، والوساطة، حين يحل التحكم في البنى التحتية الرقمية واللغات الفكرية وأنظمة المعايير محل
السيطرة المادية على الأراضي والتجارة والنقل”. ففي عالم تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه التهديدات،
تصبح القدرة على جذب الآخرين وإقناعهم لا تقل أهمية عن القدرة على إجبارهم.
غير أن ناي حذّر من “إعادة إنتاج الانفصال الثنائي بين الطبيعة والإنسان، والعوامل المادية وغير
المادية”، مؤكداً أن القوة الصلبة والقوة الناعمة ليستا بديلين متناقضين، بل هما وجهان لعملة واحدة، وأن
الدبلوماسية الفعالة تتطلب مزجهما فيما أسماه “القوة الذكية” (smart power).
3.2 الدبلوماسية الثقافية: نشر اللامادي
تمثل الدبلوماسية الثقافية أبرز تجليات البعد غير المادي في العمل الدبلوماسي. فهي تعني “استخدام القيم
الثقافية والأفكار كوسيلة للتواصل”، وهي “قدرة على تحقيق أهداف السياسة الخارجية من خلال الجذب
الثقافي، دون الحاجة إلى إكراه الآخرين”.
وتشمل الدبلوماسية الثقافية “مجموع القيم المادية وغير المادية التي يبتكرها الأفراد”، من فنون وآداب
ولغة وتقاليد، وتستخدمها الدول “لتعزيز التفاهم المتبادل وبناء الثقة بين الدول، والسماح للمجتمع العالمي
بالعمل معاً في مواجهة التحديات”.
وتكتسب الدبلوماسية الثقافية أهميتها من قدرتها على معالجة ما قد تعجز الدبلوماسية التقليدية عن
معالجته. فبينما تركز الدبلوماسية التقليدية على المصالح المادية والتفاوض حولها، تعمل الدبلوماسية
الثقافية على تشكيل التصورات، وبناء الثقة، وخلق أرضية مشتركة للحوار – أي أنها تعمل في فضاء
اللامادي.
3.3 السمعة والمكانة: رأس المال غير المادي للدول
تشكل السمعة الدولية والمكانة أحد أهم أشكال رأس المال غير المادي في العلاقات الدبلوماسية. فالسمعة
ليست مجرد انعكاس للقوة المادية، بل هي بنية فكرية قائمة بذاتها تؤثر في كيفية تعامل الدول الأخرى مع
الدولة المعنية. وقد أشارت دراسات عديدة إلى أن “الاعتبارات السمعةية” تلعب دوراً حاسماً في
المفاوضات الدولية، خاصة عندما تواجه الدول اتهامات بعدم الامتثال للمعايير الأساسية.
وتتعلق السمعة بـ”المكاسب الرمزية” إلى جانب المكاسب المادية، فالدول لا تسعى فقط إلى تعظيم ثرواتها
وقوتها المادية، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز مكانتها وهيبتها في النظام الدولي. وهذه المكانة، رغم كونها
غير مادية، تترجم إلى مكاسب مادية ملموسة: فالدول ذات السمعة الطيبة تجذب الاستثمارات، وتحظى
بثقة أكبر في المفاوضات، وتتمتع بقدرة أكبر على تشكيل الأجندة الدولية.
رابعاً: المادي في الممارسة الدبلوماسية: القوة الصلبة والموارد الملموسة
4.1 القوة الصلبة: الأساس المادي
إذا كانت القوة الناعمة تمثل البعد اللامادي، فإن القوة الصلبة (hard power) تمثل البعد المادي الأكثر
وضوحاً في العلاقات الدبلوماسية. وتشمل القوة الصلبة الوسائل المادية للإكراه: القوة العسكرية،
والقدرات الاقتصادية، والموارد الطبيعية، والتكنولوجيا.
فالحرب، في التحليل الواقعي، “تستخدم القدرات المادية لتوليد القوة وإنتاج النتائج المرجوة”. وفي
المقابل، “تعتمد الدبلوماسية على التواصل”، لكنها عندما تتعثر، “يمكن أن تنحدر إلى المساومات، أو
العقوبات، أو التهديدات باستخدام القوة، وكلها مدعومة بقدرات مادية”. فالدبلوماسية، حتى في أرقى
صورها، لا تعمل في فراغ مادي؛ فهي تستند دوماً إلى حقائق القوة الملموسة.
4.2 الموارد الاقتصادية والدبلوماسية الاقتصادية
تشكل الموارد الاقتصادية بعداً مادياً أساسياً في العلاقات الدبلوماسية. فالدبلوماسية الاقتصادية،
التي “تتضمن طيفاً واسعاً من الأنشطة من التفاوض على الاتفاقات التجارية إلى جذب الاستثمارات
والترويج للشركات المحلية في الخارج”، تمثل الجسر بين المادي واللامادي في العمل الدبلوماسي.
فالاتفاقات التجارية، والاستثمارات المتبادلة، والمساعدات الاقتصادية، والعقوبات، كلها أدوات دبلوماسية
ذات أبعاد مادية واضحة. غير أن فعالية هذه الأدوات تعتمد أيضاً على عوامل غير مادية: مصداقية
الدولة، وسمعتها، وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وهنا يتجلى التداخل بين المادي واللامادي.
4.3 الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية
يشكل الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية أحد أبرز العناصر المادية الثابتة في العلاقات الدبلوماسية. فقد
أظهرت الدراسات أن “النمط العالمي للتمثيل الدبلوماسي يتحدد بشكل كبير بالمسافة الجغرافية بين
الدول، وبقوة كل من الدولة المرسلة والدولة المستقبلة، ودرجة التجانس الفكري بينهما”.
فالدول التي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي – كمضيق هرمز أو قناة السويس – تحظى بقوة دبلوماسية
تفوق ما قد توحي به مواردها المادية الأخرى. وكذلك الدول الغنية بالموارد الطبيعية – كنفط الخليج أو
الغاز الروسي – تستخدم هذه الموارد المادية كأدوات دبلوماسية فعالة. غير أن قيمة هذه الموارد المادية
تتحدد أيضاً بعوامل غير مادية: فالسوق العالمية للنفط، مثلاً، تتشكل عبر أطر فكرية وسياسية تحدد سعره
وقيمته الاستراتيجية.
خامساً: جدلية المادي واللامادي: التفاعل والتكامل في الممارسة الدبلوماسية
5.1 التكوين المتبادل للمادي واللامادي
يخلص الاتجاه السائد في الأدبيات المعاصرة إلى أن “القوى المادية والفكرية متبادلة التكوين”، وأن
التركيز ينبغي أن يكون على “التفاعل بينهما بدلاً من تحديد أيهما الأقل أو الأكثر قوة”. فالمادي
واللامادي ليسا بعدين منفصلين، بل هما جانبان متداخلان من الواقع الدبلوماسي.
فالقوة العسكرية (مادية) لا تعني شيئاً دون الإرادة السياسية لاستخدامها (غير مادية). والموارد
الاقتصادية (مادية) لا تولد نفوذاً دبلوماسياً دون سمعة ومصداقية (غير مادية). وبالمقابل، فإن الأفكار
والقيم (غير مادية) لا تنتشر في النظام الدولي دون قنوات مادية (وسائل الإعلام، المؤسسات، التبادل
التجاري) تنقلها.
5.2 البعد المادي للدبلوماسية ذاتها
حتى الدبلوماسية بوصفها ممارسة، تحمل أبعاداً مادية لا يمكن تجاهلها. فالسفارات والمباني الدبلوماسية،
والمواكب الرسمية، والهدايا الدبلوماسية، كلها عناصر مادية تحمل دلالات رمزية عميقة. وقد لاحظ
الباحثون أن “الترتيبات المادية التي تؤثر على أداء الدبلوماسيين والسياسيين وصناع القرار هي جزء
مهم من أي إمكانية للتغيير السياسي، لأنها تشكل تكوين العلاقات بين الدول”.
فالمكان الذي تجري فيه المفاوضات، والطريقة التي يُستقبل بها الوفد الدبلوماسي، والبروتوكول المتبع،
كلها عناصر مادية تحمل رسائل غير مادية عن المكانة، والاحترام، والقوة، والنوايا.
5.3 اللامادي كشرط لفعالية المادي
تشير التجارب الدبلوماسية إلى أن العوامل غير المادية غالباً ما تكون شرطاً لفعالية العوامل المادية. فكما
لاحظت إحدى الدراسات، “إن العوامل المادية مهمة، لكن الأفكار غالباً ما تحدد كيف ومتى تكون
مهمة”. فالدولة التي تمتلك جيشاً قوياً واقتصاداً ضخماً (مادي) لن تتمكن من ترجمة هذه الإمكانات إلى
نفوذ دبلوماسي إذا كانت تفتقر إلى المصداقية أو السمعة الطيبة أو الرؤية الاستراتيجية الواضحة (غير
مادي).
ويظهر هذا بوضوح في حالة الدبلوماسية العامة، حيث “تلعب القوة الناعمة دوراً محورياً في تشكيل
العلاقات بين الدول، من خلال المساعدة في بناء تحالفات قوية، وتعزيز سمعة الدول على المستوى
العالمي، وتخفيف التوترات”. فالسمعة الطيبة (غير مادية) تجذب الحلفاء والشركاء (مادي)، وتُسهل
تحقيق المصالح الاقتصادية والأمنية (مادي).
5.4 التحولات المعاصرة: العصر الرقمي وإعادة تعريف المادي واللامادي
يشهد العصر الرقمي تحولاً في طبيعة العلاقة بين المادي واللامادي في الدبلوماسية. فمع
صعود “الدبلوماسية العامة الرقمية”، أصبحت “البنى التحتية الرقمية واللغات الفكرية وأنظمة
المعايير” عوامل حاسمة في ممارسة القوة الدبلوماسية.
ففي العصر الرقمي، أصبحت الأفكار تنتقل بسرعة الضوء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت
السمعة تُبنى أو تُهدم في لحظات. وهذا يمنح العوامل غير المادية وزناً أكبر مما كانت عليه في العصور
السابقة. غير أن البنى التحتية الرقمية ذاتها – الخوادم، والكابلات، والأقمار الاصطناعية – هي عناصر
مادية، مما يعيدنا إلى الجدلية ذاتها: فالمادي واللامادي يتشابكان بشكل أعمق في العصر الرقمي.
سادساً: الخاتمة
إن دراسة المادي واللامادي في العلاقات الدبلوماسية تكشف عن حقيقة أساسية: الدبلوماسية، في
جوهرها، هي ممارسة تتوسط بين الملموس والمتخيل، بين القوة المادية والقوة المعنوية، بين
المصالح الملموسة والأفكار المجردة. فالدول تدخل العلاقات الدبلوماسية بمواردها المادية – الجيوش،
والاقتصادات، والمواقع الجغرافية – لكنها تتفاعل من خلال أطر فكرية – الهويات، والقيم، والتصورات،
والسمعة.
وقد أظهرت هذه الدراسة أن النظريات الكلاسيكية في العلاقات الدولية، رغم تباعدها الظاهر، تلتقي في
الإقرار بهذه الجدلية. فالواقعية، بقيادة مورغنثاو، اعترفت بالمتغيرات الفكرية إلى جانب المتغيرات
المادية. والليبرالية أعطت الأولوية للمؤسسات والأفكار. والبنائية جعلت من المعاني والهويات محور
تحليلها. لكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو الإدراك المتزايد بأن المادي واللامادي ليسا ثنائية
متناقضة، بل هما وجهان لعملة واحدة.
وقد تجلى هذا التكامل في مفاهيم مثل “القوة الناعمة” التي ابتكرها جوزيف ناي، والتي تلتقط البعد غير
المادي للقوة دون أن تنكر الأساس المادي. وتجلى أيضاً في ممارسات مثل الدبلوماسية الثقافية، التي
تستخدم القيم والأفكار كأدوات دبلوماسية، وفي الدبلوماسية الاقتصادية، التي تزاوج بين المصالح المادية
والعلاقات غير المادية.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذه الدراسة هو أن الدبلوماسية الفعالة هي تلك التي تستوعب
جدلية المادي واللامادي، وتوازن بينهما في سياق استراتيجي متكامل. فالدولة التي تركز على القوة
المادية وحدها تخاطر بأن تبدو تهديداً يثير المقاومة، والدولة التي تركز على القوة غير المادية وحدها
تخاطر بأن تبدو ضعيفة تثير الازدراء. أما الدبلوماسية الناجحة، فهي تلك التي تدرك أن القوة الحقيقية
تنبع من التكامل بين الملموس والمتخيل، وبين ما تملكه الدولة وما تمثله.
في عصر تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه التهديدات، وتتسارع فيه وتيرة التواصل وتتعدد فيه قنوات
التأثير، تصبح القدرة على فهم وإدارة جدلية المادي واللامادي شرطاً أساسياً للنجاح الدبلوماسي.
فالدبلوماسية، في نهاية المطاف، ليست مجرد فن التفاوض على المصالح المادية، بل هي أيضاً فن تشكيل
المعاني، وبناء الثقة، وصناعة السمعة، وإدارة الهويات – أي أنها فن المادي واللامادي معاً.
قائمة المراجع
مورغنثاو، هانز. تحليل عناصر القوة الوطنية: المتغيرات المادية والفكرية. (المرجع )
ناي، جوزيف س. القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة الدولية. (المراجع ، )
ويندت، ألكسندر. النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية. (المراجع )
“Contending Dialectics: Revisiting Material and Ideational
Dimensions of Sovereignty”. E-International Relations, 2010. (المرجع )
“The False Dichotomy of the Material-Ideational Debate in IR
Theory”. E-International Relations, 2019. (المرجع )
“Soft Power”. International Encyclopedia of Human Geography,
Elsevier, 2020. (المرجع )
“القوة الناعمة والسياسة الخارجية في النظام الدولي: تأصيل نظري”، 2026. (المرجع )
“الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة”، 2026. (المرجع )
“الدبلوماسية الاقتصادية: الأطر والتطبيقات”، 2021. (المرجع )
“القوة الصلبة”. موسوعة ويكيبيديا العربية. (المرجع )
“Threat perception and its impact on international mediation efforts”.
(المرجع )
“Distance, power and ideology: diplomatic representation in a world
of nation-states”. (المرجع )
“The Material Body of Diplomacy and the Power of Interpersonal
Communications”. (المرجع )
“Power in International Negotiations: Symmetry and
Asymmetry”. Cairn.info, 2012. (المرجع )



إرسال التعليق