دور المهاجرين في تأجيج العنف في الاحتجاجات الأوروبية
محمد عبد الكريم يوسف
يطرح عنوان هذا البحث فرضيةً راسخةً في الخطاب السياسي والإعلامي الأوروبي (وخارجه)، مفادها أن الوافدين والمهاجرين — أو “ذوي الأصول المهاجرة” — يضطلعون بدور محفّز أو رئيسي في تأجيج العنف أثناء الاحتجاجات وأعمال الشغب في أوروبا. غير أن هذه الفرضية، رغم تكرارها، تحتاج إلى تدقيق أكاديمي صارم يفصل بين الادعاء السياسي والدليل التجريبي. فالسؤال ليس بريئاً؛ فهو يفترض مسبقاً وجود علاقة سببية بين “الهجرة” و”العنف في الاحتجاجات”، ويضع فئة “المهاجرين” كفاعل جماعي متجانس.
ويهدف هذا البحث إلى اختبار هذه الفرضية نقدياً، من خلال تحليل الأدبيات السيكولوجية والاجتماعية والسياسية المقارنة التي تناولت العلاقة بين الهجرة والاحتجاجات العنيفة في أوروبا. وسيُظهر البحث أن الأدلة المتاحة لا تدعم الادعاء بوجود دور سببي عام للمهاجرين في تأجيج العنف، وأن ما يبدو “دوراً” للمهاجرين هو في حقيقته نتيجة لتفاعل عوامل بنيوية — كالتهميش وسياسات الإسكان الاجتماعي — من جهة، وتوظيف سياسي للخطاب المهاجر من قبل قوى اليمين المتطرف من جهة أخرى.
أولاً: تفكيك الفرضية: مشكلات المنهج والمفهوم
1. مشكلة التجانس: “المهاجرون” ليسوا فئة واحدة
الفرضية المطروحة تتعامل مع “المهاجرين” ككتلة متجانسة، وهو ما ترفضه الأدبيات. فالمهاجرون يتوزعون على أصول عرقية ووطنية وطبقات اجتماعية وديانات متباينة، بل إن بعضهم من المواطنين (الجيل الثاني والثالث) الذين وُلدوا في البلد الأوروبي ولا يحملون صفة “مهاجر” قانونياً. وتُظهر البيانات الفرنسية أن “بين المعتقلين بعد أعمال الشغب، كان 6 أو 7 في المائة فقط من الأجانب”. فكيف يمكن الحديث عن “دور المهاجرين” عندما يكون الغالبية العظمى من المشاركين من المواطنين؟
2. مشكلة السببية: الارتباط ليس دليلاً على الدور السببي
حتى لو وُجد أن بعض المشاركين في أعمال الشغب من ذوي الأصول المهاجرة، فإن هذا لا يُثبت أن “الهجرة” أو “كونهم مهاجرين” هي سبب مشاركتهم. فالأدبيات تُظهر أن العوامل المحددة للمشاركة في الشغب هي التهميش الاجتماعي والاقتصادي، وسياسات الإسكان، والعلاقة مع الشرطة — وليس الهوية العرقية أو الأصل الوطني في حد ذاته. وهذا التمييز أساسي: فالفرد قد يشارك لأنه يعيش في حي مهمّش، لا لأنه مهاجر.
3. مشكلة التوظيف السياسي: الخطاب يسبق الدليل
تشير المصادر الموثوقة إلى أن الربط بين المهاجرين والعنف غالباً ما يكون ادعاءً سياسياً غير مدعوم بالأدلة. فقد أكدت وكالة أسوشيتد برس أن الرئيس الأمريكي وقيادات جمهورية “يستغلون أعمال الشغب الواسعة في فرنسا قبل انتخابات التجديد النصفي… بتقديم ادعاءات لا أساس لها بأن الاضطراب الاجتماعي في أوروبا سببه المهاجرون المسلمون”، وأن “السلطات والشرطة لم تربط المهاجرين بأعمال الشغب في فرنسا”. كما وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه الادعاءات بأنها “غبية” و”كاذبة تماماً”. وهذا يعني أن الفرضية المطروحة في السؤال هي في الأساس فرضية سياسية تُطرح قبل أن تُختبر أكاديمياً.
ثانيًا: ما تقوله الأدلة التجريبية
1. أطروحة موتسيلوس: الإسكان الاجتماعي، لا الهجرة
تُقدّم أطروحة الدكتوراه المحكّمة لميخائيل موتسيلوس (Moutselos, 2016) من جامعة برينستون الإجابة الأكثر منهجية عن السؤال. فقد درست أعمال الشغب المناهضة للدولة في أوروبا الغربية، ولاحظت أن هذه الأعمال “اندلعت في العديد من الأحياء الفقيرة ذات الكثافة المهاجرة العالية في أوروبا الغربية على مدى الثلاثين عاماً الماضية”. غير أن الأطروحة ترفض التفسيرات التقليدية التي تُرجع الشغب إلى “المظالم الاجتماعية والاقتصادية أو العرقية، أو التمثيل الناقص للأقليات المهاجرة، أو آثار نماذج الاندماج الوطنية”. وبدلاً من ذلك، تُظهر أن الشغب “ينتج عن نوع معين من علاقات الدولة-المجتمع: السياسة الحضرية وتركّز الإسكان الاجتماعي في مجمعات كبيرة“. وتشرح الآلية: “مجمعات الإسكان الاجتماعي الكبيرة تُهيئ للشغب من خلال تركيز الإعاقات الاجتماعية والاقتصادية وتقليل الفعالية الجماعية لسكانها؛ وحجمها الكبير يجعل الإدارة والشرطة إشكاليتين؛ وتوفر للشباب المحلي نقطة تركيز للانخراط في العمل الجماعي العنيف”.
والنتيجة الأهم هي أن موتسيلوس تُظهر، عبر تحليل متعدد المتغيرات لبيانات على مستوى البلديات لأعمال شغب فرنسا 2005، أن “حدوث الشغب وشدته وانتشاره يرتبط إيجابياً بوجود مجمعات الإسكان الاجتماعي الكبيرة”. وتُكمل ذلك بتحليل مقارن بين بلديتين في شمال باريس: إحداهما لديها إسكان اجتماعي موزّع، والأخرى لديها مجمعات إسكان اجتماعي — والأخيرة هي التي شهدت العنف. وهذا يعني أن المتغير المحدد هو نوع السياسة الحضرية، وليس نسبة المهاجرين.
2. دراسة دانسيجير: الهجرة والصراع في أوروبا
يُقدّم كتاب رافاييلا دانسيجير (Dancygier) Immigration and Conflict in Europe إطاراً نظرياً بديلاً. فالكتاب “يشرح لماذا وأين ومتى تؤدي الهجرة إلى صراع في مناطق استيطان المهاجرين”. والحجة المركزية هي أن “تفاعل الندرة الاقتصادية المحلية والقوة السياسية للمهاجرين هو في مركز صراع المهاجرين”. وهذا يعني أن الصراع لا ينشأ من “الهجرة” كمتغير ديموغرافي، بل من التفاعل بين الظروف الاقتصادية المحلية والتوزيع السياسي للسلطة. وتُظهر الفصول التجريبية أن الصراع “بين المهاجرين والسكان الأصليين” و”بين المهاجرين والدولة” يتبع أنماطاً يمكن تفسيرها بهذا التفاعل، وليس بسمات ثقافية أو عرقية ثابتة.
3. دراسات الشغب في السويد: الفصل العنصري السكني
تُقدّم الأدبيات الاسكندنافية دليلاً إضافياً. ففي السويد، شهد عام 2009 موجة من الاضطرابات الحضرية “تركزت في مناطق ذات أعداد كبيرة من المولودين في الخارج”، ورأى كثيرون أن هذه الحادثة “تعكس اتجاهاً نحو تزايد الفصل العنصري السكني“. وقد حلل الباحثون “العلاقة التجريبية بين الفصل العنصري السكني وحوادث الاضطرابات الحضرية في السويد”. والمنطق نفسه ينطبق على فرنسا: فقد أشار تحليل لوكالة بروكينغز إلى أن أسباب شغب 2005 تشمل “السياق العرقي الفرنسي الخاص، والظروف الاقتصادية، والتمييز، وعنف الشرطة، والإسكان، والسياسات الوطنية (السيئة)”. فالإسكان والتمييز والسياسات — وليس “الهجرة” — هي المتغيرات التفسيرية.
ثالثًا: دور المهاجرين كضحايا لا كفاعلين
من المفارقات التي تكشفها الأدبيات أن المهاجرين في أوروبا هم في كثير من الأحيان هدف للعنف في الاحتجاجات، وليس مصدره. فكتاب Restless Cities on the Edge (فارو ومادانو، 2021) يصف التحليل السوسيولوجي للاحتجاجات وأعمال الشغب في روما منذ التسعينيات، ويشمل “أعمال الشغب المناهضة للمهاجرين في الأحياء”. وفي أيرلندا الشمالية، كشفت أعمال شغب صيف 2025 عن “بوغروم جديد” استهدف “عناوين منازل الإسكان متعدد الإشغال (HMO) حيث كان يُعتقد أن المهاجرين يعيشون”. وفي إنجلترا، اندلعت أعمال شغب في أغسطس 2024 بعد “ادعاءات كاذبة نشرها اليمين المتطرف بأن قاتل ثلاث فتيات صغيرات في ساوثبورت كان طالب لجوء مسلماً”، مما أدى إلى “هجمات على مسجد وحرق فنادق محلية تُستخدم لإيواء من طلبوا اللجوء”.
وهذا يعني أن العلاقة بين المهاجرين والعنف في الاحتجاجات الأوروبية هي في كثير من الأحيان علاقة ضحية-جاني، حيث يكون المهاجرون هدفاً للعنف الذي يُشنّ ضدهم، وليسوا مصدراً له. ويُعزز هذا الاستنتاج التحليل الإعلامي الذي أظهر أنه في أعقاب أعمال الشغب في توري باتشيكو (إسبانيا)، “تم اكتشاف أكثر من 138,000 رسالة كراهية عنصرية وكراهية للأجانب على وسائل التواصل الاجتماعي” في 17 يوماً فقط، معظمها “موجه ضد أشخاص من شمال أفريقيا”.
رابعًا: تفسير بديل: لماذا يُتهم المهاجرون؟
إذا كانت الأدلة لا تدعم الدور السببي للمهاجرين، فلماذا يُطرح هذا الاتهام بتكرار؟ تُقدّم الأدبيات تفسيراً واضحاً: التوظيف السياسي من قبل اليمين المتطرف.
فقد ربط زعيم حزب التجمع الوطني الفرنسي، جوردان بارديلا، الاحتجاجات “بمشكلات الهجرة والأمن”، واعتبرها “دليلاً على فشل السياسات الحكومية”. وعزا “جانباً كبيراً من العنف والفوضى… إلى عدم اندماج مجموعات من المهاجرين في النسيج الاجتماعي الفرنسي”. وفي إيطاليا، قال مستشار الرفاهية في ميلانو إن “نصف من أوقفتهم أو اعتقلتهم الشرطة” بعد أعمال الشغب كانوا “من خلفية مهاجرة، بما في ذلك أفراد وُلدوا في الخارج وأبناء الجيل الثاني من عائلات مهاجرة”. وفي المملكة المتحدة، استغل اليمين المتطرف أعمال العنف “لدفع أجندة مناهضة للهجرة”.
وتُظهر المصادر نفسها أن هذا التوظيف يتجاهل حقيقة أن السلطات لا تربط المهاجرين بالشغب، وأن العنف في فرنسا كان في الأصل احتجاجات على “إصلاح التعليم والعمل على عدم المساواة في الثروة” قبل أن “تخرج عن السيطرة”. ويُوصف هذا الخطاب في تحليل عربي بأنه “فهم قاصر لطبيعة هذه الاحتجاجات وأبعادها الاجتماعية والسياسية المركبة”. ويُضاف إلى ذلك أن بعض التحليلات تُشير إلى أن “اليمين المتطرف سيرفع شعارات أكثر حدة لترحيل المهاجرين” نتيجة للعنف، مما يعني أن الاتهام يخدم أجندة سياسية مسبقة وليس تشخيصاً موضوعياً.
خامسة: الخاتمة — الإجابة على السؤال
بناءً على هذا التحليل، يمكن صياغة الإجابة على النحو التالي:
لا، الأدلة التجريبية المتاحة لا تدعم الادعاء بوجود دور سببي عام للوافدين والمهاجرين في تأجيج العنف في الاحتجاجات الأوروبية. فالدراسات المحكّمة — كأطروحة موتسيلوس وكتاب دانسيجير والأبحاث السويدية والفرنسية — تُظهر أن المتغيرات المفسّرة للعنف هي سياسات الإسكان الاجتماعي، والتهميش الاقتصادي والاجتماعي، والفصل السكني، والعلاقة مع الشرطة، وليس الهجرة أو الأصل الوطني. وحين يُشار إلى “دور” للمهاجرين، فإنه غالباً ما يكون دور الضحية (كما في أعمال الشغب المناهضة للمهاجرين في إيطاليا وأيرلندا الشمالية وإنجلترا) أو دوراً مبالغاً فيه ومُوظَّفاً سياسياً من قبل قوى اليمين المتطرف.
والاستنتاج المركزي هو أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة: فبدلاً من السؤال “هل للمهاجرين دور في تأجيج العنف؟”، يصبح السؤال الأكاديمي الأدق: “ما الظروف البنيوية التي تجعل بعض الأحياء ذات الكثافة المهاجرة العالية مسرحاً للعنف، وكيف يُوظَّف خطاب ‘المهاجرين’ سياسياً لصرف الانتباه عن هذه الظروف؟“ . وهذا لا ينفي أن أفراداً من خلفيات مهاجرة قد يشاركون في العنف — كما يشارك آخرون من غير المهاجرين — لكنه ينفي أن تكون “الهجرة” أو “المهاجرون” فئة تفسيرية صالحة. ويوصي البحث بضرورة أن تستند سياسات الوقاية من العنف إلى معالجة الأسباب البنيوية (كالإسكان والتهميش والتمييز)، ورفض الخطاب الذي يحمّل المهاجرين مسؤولية جماعية عن أفعال فردية، لما في ذلك من خطر تعزيز الاستقطاب والعنف المضاد.
المراجع
- Moutselos, M. (2016). Neighborhoods against the State: Urban Policy and Violent Protest in Western Europe (Doctoral dissertation). Princeton University. http://arks.princeton.edu/ark:/88435/dsp01vx021h51x
- Dancygier, R. M. (2010). Immigration and Conflict in Europe. Cambridge University Press.
- Farro, A. L., & Maddanu, S. (2021). Restless Cities on the Edge: Collective Actions, Immigration and Populism. Palgrave Macmillan.
- Associated Press. (2026, October 20). FACT FOCUS: Trump and Republicans blame France’s immigrants for riots without evidence. AP News.
- BBC News Arabic. (2026, October 20). ما صحة اتهام المهاجرين والأجانب بالوقوف وراء أعمال الشغب في فرنسا؟
- The Guardian. (2026, October 21). Europe’s far right seizes on protest violence to push authoritarian anti-immigration agenda.
- Tyerman, T., & van Isacker, T. (2025). Media Coverage of Social Cohesion and Minorities During Riots in the UK and Spain. Gale Academic OneFile.
- Rodriguez Calles, L., & Iglesias Martinez, J. (2025). Factors explaining peaceful coexistence between immigrants and natives in working-class neighbourhoods in Spain. (مُشار إليه في Tyerman & van Isacker, 2025).
- OBERAXE. (2025). Special Bulletin on Monitoring Hate Speech on Social Media: Torre-Pacheco. Spanish Observatory on Racism and Xenophobia.
- Sweden: Ethnic Residential Segregation and Urban Unrest (2009). (تحليل تجريبي للعلاقة بين الفصل السكني والاضطرابات).
- Brookings Institution. (2016, July 28). Understanding Urban Riots in France.
- Belfast Race Riots: How Loyalism Turned on Migrants (2026). Rosa-Luxemburg-Stiftung.
- What New UK Data Tells Us About The Crimes Committed By Migrant Deportees and Foreigners (2026). Metropolis International Migration Network.
- المصري اليوم. (2026, October 26). المهاجرون والعنف.
- DW عربية. (2026, February 3). “الصراعات المستوردة”.. هل تتحول لسلاح في يد اليمين الألماني؟



إرسال التعليق