الرد القوي و القاسي على وزير
حوال ابراهيم
تاريخ يُكتب بالجهل وجغرافيا تعرى في عقل مسؤول : الرد على سقطة وزير الصحة
حين يتصدى لقطاع الصحة العامة في دولة كبرى مسؤولٌ يفتقر أبجديات الوعي التاريخي والمعرفي، تصبح الكارثة أعمق من مجرد تصريح عابر؛ إنها فضيحة فكرية تكشف حجم السطحية والتعصب المترسب في عقول بعض الساسة الغربيين. فما أطلقه وزير الصحة الأمريكي من ادعاء أجوف بأن “الـ 500 مليون عربي لا ينتجون علماً ولا يفوزون بجوائز نوبل أو الأدب”، لا يمثل طعناً في تاريخ أمة بأسرها قدر ما يمثل صفعة مدوية لثقافة الرجل نفسه، وسقوطاً مريعاً في مستنقع الجهل التاريخي المطبق.
أولاً: حين ينطق الجهل بما لا يعلم
إن من المفارقات الساخرة أن يخرج هذا الكلام من مسؤول يعيش في دولة تستخدم كل يوم من أدوات المعرفة ما أنتجه العقل العربي والإسلامي؛ فأرقام الحساب التي يكتبها، وقواعد “الجبر” التي تقوم عليها أحدث التكنولوجيا الأمريكية، وأسس الرياضيات والطب التي وضع لبناتها الأولى ابن سينا، والزهراوي، والخوارزمي، كلها شواهد حيّة على أن الحضارة الإنسانية بنيت على سواعد عقول شرقية وعربية أصيلة.
إن تجاهل وزير الصحة لتاريخ طويل من الإشعاع العلمي يعكس أما عمىً ايديولوجياً مُتعمداً، أو جهلاً مدقعاً لا يليق بمنصبه. فالعرب لم يكونوا يوماً على هامش التاريخ، بل كانوا صناعه وحراسه لقرون طويلة، يوم كانت أوروبا تتقلب في ظلمات القرون الوسطى.
ثانياً: حقائق التاريخ وسجلات نوبل التي تكذب الوزير
حتى وإن أراد الرجل أن يحصر المعيار في العصر الحديث ومعايير الجوائز العالمية المعاصرة (رغم قصورها وتحيزاتها السياسية)، فإن لغة الأرقام وسجلات التاريخ تكذب ادعاءه الساذج:
- العلم والكيمياء: ألم يحصل العالم المصري العبقري أحمد زويل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 نظير أبحاثه الثورية في فمتوكيمياء؟ ألا يحمل السجل العلمي أسماء لامعة لمعت في الجامعات والمراكز البحثية العالمية كعصام حجي، وعمر يغي، وغيرهم ممن هندسوا ملامح العلوم الحديثة؟
- الأدب والفكر: ألم يحمل الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ جائزة نوبل في الأدب عام 1988، ليخلد الحارة العربية في ذاكرة الأدب الإنساني العالمي؟ وماذا عن رماد الشعر والفكر من محمود درويش، وجبران خليل جبران، وغيرهم ممن ألهموا العالم؟
- السلام والريادة: أسماء عربية كثيرة نالت أرفع الأوسمة والتقديرات العالمية في مجالات حقوق الإنسان، الطب، والفيزياء، مما نسف من أساسه ادعاءات الوزير الفارغة.
ثالثاً: مفارقة المنصب.. طبيب يجهل بصلة الوصل بين الأمم
الخطورة الحقيقية لا تكمن في أن يخطئ إنسان عادي في معلومة جغرافية أو تاريخية، بل أن يصاب “وزير للصحة” في دولة عظمى بعمى معرفي يمنعه من إدراك مساهمات الشعوب. الطب نفسه، كعلم حديث، لولا إسهامات ابن النفيس في اكتشاف الدورة الدموية الصغرى، وتراجم مخطوطات الرازي وابن سينا التي دُرست في جامعات أوروبا لقرون، لما وصل إلى ما هو عليه اليوم.
إن تصريحاً كهذا لا يعبر إلا عن أزمة خطاب سياسي غربي بات يستسهل إطلاق الأحكام العنصرية الممجوجة للاستهلاك المحلي أو الهروب من الأزمات الهيكلية الداخلية عبر شيطنة الآخرين والتقليل من شأنهم.
ليست المشكلة في أن يجهل وزير الصحة الأمريكي تاريخ 500 مليون عربي، فالتاريخ أكبر من أن تنال منه تصريحات عابرة لشخص مؤقت في منصبه. المشكلة الحقيقية هي أن تُدار مؤسسات بحجم وزارة الصحة الأمريكية بعقول متطرفة ومغلقة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية والاتزان الفكري.
العرب يا سيادة الوزير لم ينتظروا شهادة من رجل يخلط بين الجهل والسياسة، فتاريخهم أعمق من أن تطمسه نزوات التصريحات الانتخابية، وحضارتهم باقية رغم عورات العصر وجهل العابرين.



إرسال التعليق