رجل التقى بـ مغتصب زوجته في السجن
أدهم حريري
رجل التقى بمغتصب زوجته في السجن
في شتاء عام 1997، وتحديداً في أحد السجون العمومية بشمال مصر، كان الصمت يلف العنابر الحجرية الضيقة إلا من أصوات الأقدام الثقيلة للحراس ووشوشات المساجين في لحظات الفراغ. في ذلك العنبر المظلم، تقاطعت طرق رجلين لم يكن لأحدهما أن يتخيل أنه سيجلس إلى جوار الآخر يوماً ما: “شريف”، المحاسب الثلاثيني الذي قادته الظروف للحبس الاحتياطي في قضية شيك بدون رصيد، و”سامح”، العاطل المسجل خطر والمحكوم عليه في قضايا سرقة واستعراض قوة.
كان “شريف” يمر بأمرّ أيام حياته؛ فلم تكن أزمته المالية هي ما يكسر ظهره، بل الواقعة الأليمة التي هزت أركان بيته قبل عام واحد فقط، عندما تعرضت زوجته الحبيبة “منى” للاعتداء في شقتهما النائية بأطراف القاهرة على يد ملثم مجهول اقتحم المنزل ليلاً، وسرق ما فيه من مجوهرات، ثم اختفى في ظلام الليل دون أن يترك أثراً، مسبباً لها ولزوجها شرخاً نفسياً عميقاً لم يندمل.
في السجن، حاول شريف الابتعاد عن الجميع، لكن “سامح” -المعروف بين المساجين بلسانه الفلتان وحبه للتباهي بجرائمه- كان يجلس ليلاً يروي للمساجين “بطولاته” الإجرامية. وفي إحدى الليالي، وت تحت ضوء خافت، بدأ سامح يروي حادثة سرقة قادته لشقة في إحدى عمارات الأطراف قبل عام، واصفاً تفاصيل المكان، ومدخل العمارة، وحتى شكل السلسلة الذهبية التي سرقها.
سكنت الدماء في عروق شريف. التفاصيل التي يرويها سامح لم تكن عامة؛ كانت تفاصيل شقته هو! بل إن الديكور والمكان والسلسلة الوصفية لا يعرفها إلا من دخل ذلك البيت. استمر سامح في حديثه وهو يضحك متفاخراً بأنه لم يكتفِ بالسرقة في تلك الليلة، بل اعتصب سيدة البيت تحت تهديد السلاح قبل أن يفر هارباً، متباهياً بغنيمته.
في تلك اللحظة، لم يشعر شريف إلا بنار تلتهم صدره. الرجل الذي دمر حياته، وقضى على سعادة زوجته، وجعلها تعيش في كوابيس لا تنتهي، يجلس على بعد أمتار قليلة منه، يبتسم ويتفاخر بجريمته دون أدنى ندم!
مرت الليلة على شريف كأنها ألف سنة. صمت، واستمع، وسجل كل كلمة. لم يستطع النوم، وكانت فكرة واحدة تتردد في ذهنه: “العدالة لم تصل إليه في الخارج، لكن القدر جابه لي لحد عندي”.
في صباح اليوم التالي، وتحديداً أثناء ساعة “الفسحة” في ساحة السجن، استغل شريف الاكتظاظ وزحام المساجين. تقرب من سامح بهدوء حذر، وبدم بارد لم يعهده في نفسه قط، وبدافع الانتقام والشرف المهدور، غرس قطعة معدنية حادة (كان قد صنعها ليلتها من بقايا معلبات) في رقبة سامح مباشرة، ليرديه قتيلاً في الحال قبل أن يتمكن الحراس من التدخل.
وقعت الجريمة، واعترف شريف فوراً وبكل ثبات: “قتلت الشخص الذي اغتصب زوجتي ودمر حياتي، وهو اعترف بنفسه ليلة البارحة أمام الجميع”.
حُوّل شريف إلى النيابة العامة بتهمة القتل العمد داخل السجن. وخلال التحقيقات التي شغلت الرأي العام المصري حينها، تم استدعاء الشهود من المساجين الذين أكدوا بالفعل أن المجني عليه (سامح) كان يتباهى باقتحام شقة في ذلك التوقيت واعتدائه على زوجة شريف.
لكن وكيل النيابة المكلّف بالقضية، وأثناء مراجعة أوراق القضية القديمة (بلاغ السرقة والاعتداء المخزن في أقسام الشرطة)، لاحظ شيئاً غريباً؛ الأوصاف التي ذكرها سامح في السجن تطابقت مع الشقة، لكن تقارير الطب الشرعي البصمات والأدلة الجنائية في البلاغ القديم لم تُشر إلى وجود أي اعتداء جسدي على الزوجة حينها، بل قُيدت القضية كـ “سرقة بالإكراه” فقط.
تم استدعاء الزوجة “منى” للشهادة والاستجوب أمام النيابة لمطابقة الأقوال. وهناك، وأمام إصرار النيابة ومواجهتها بالتحريات، نزل الستار عن المفاجأة الصادمة التي هزت القضية بأكملها:
الزوجة أنكرت تماماً تعرضها لأي اعتداء أو اغتصاب!
اتضح أن “سامح” السجين المقتول كان بالفعل هو اللص الذي اقتحم الشقة وسرق المجوهرات قبل عام، لكنه لم يلمس الزوجة إطلاقاً؛ حيث هددها بالسلاح، أخذ المجوهرات، وفر هارباً في ثوانٍ معدودة. أما روايته داخل السجن، فلم تكن سوى “جريمة وهمية” اخترعها من خياله المريض ليظهر بمظهر “الرجل الخطر” والعتيد في الإجرام أمام بقية المساجين، متباهياً بادعاء الاغتصاب للرفع من سطوته وهمجية سمعته بين العتاة!
تجلت الحقيقة المرعوبة أمام شريف في قاعة المحكمة: لقد قتل رجلاً بناءً على “كذبة وادعاء باطل” أطلقه الضحية نفسه تفاخراً بالإثم!
الزوجة لم تُغتصب قط، والحادثة التي ظلت تطارده وتؤرق مضجعه طوال عام كانت مجرد وهم بناه على ادعاءات اللص المريض نفسياً، ليجد شريف نفسه ينفذ حكماً بالإعدام/السجن المشدد على نفسه بنفسه، دافعاً ثمن انتقامٍ بني على شائعة وكذبة داخل جدران السجن.
انتهت القصة الصادمة في أروقة المحاكم المصرية عام 1997، لتصبح واحدة من أغرب القضايا الجنائية التي تناقلها رجال القانون؛ قصة رجل تقاطع طريقه مع سارق بيته، فقتله الانتقام لـ “جريمة وهمية” لم تحدث إلا في خيال القتيل!



إرسال التعليق