اخر الاخبار

عصبية الاحتراق..حين يعلن العقل الباطن الاستقالة العاطفية

الكاتبة نعيمة سلامة

في عالم يعج بالصخب والركض المستمر خلف العلاقات والتوقعات، غالباً ما نخشى الأشخاص الصاخبين، والغاضبين، ومن تظهر على محياهم ملامح الانتقام والقسوة السريعة. لكن علم النفس المظلم (Dark Psychology) وقراءة أعماق النفس البشرية يكشفان عن حقيقة أكثر رعباً وأشد دقة: أشد الناس خطورة وهدوءاً، ليسوا من قست قلوبهم منذ البداية، بل أولئك الذين احترقوا بصمت لأجل الآخرين… حتى ماتت آخر شمعة صبر في أروقة عقولهم.

حين يتحول شخص كان مفرط الاهتمام، فيّاض العطاء، دائم التماس العذار، إلى ما يشبه “جداراً من الثلج”، فيقطع تواصله دون عتاب أو صراخ أو حتى التفاتة للوراء، فأنت لا تشاهد هنا تحولاً عشوائياً أو نزوة عابرة، بل تشهد تفعيل أعتى درع حماية عصباني يُعرف بـ (الانغلاق العاطفي التلقائي).

1. محطة الاحتراق الصامت: من التضحية إلى الاستنزاف

الوصول إلى حالة “الجليد النفسي” لا يحدث بين عشية وضحاها؛ إنه التراكم البطيء والموجع لآلاف الساعات من خيبة الأمل، والتغاضي عن الإساءات، وامتصاص الصدمات المتكررة.

في التحليل النفسي التفسيري، الجهد الهائل الذي يبذله الإنسان في التغاضي، وتبرير الخذلان لمن يحب، يستهلك طاقة الدماغ العصبية وقدرات الجهاز العصبي للحد الأقصى. يظل الفرد يضحي بسلامه النفسي، وبطاقته العصبية، وقلبه، ظناً منه أن الوفاء قادر على إصلاح الانكسارات. لكنه في الواقع، كان يحفر قبر طاقته العاطفية بيده، محترقاً بنيران العطاء من طرف واحد.

2. القرار السيادي للعقل الباطن: قطع الإمداد

حين يصل الدماغ الباطن إلى عتبة الحريق الأخير، وحين يدرك عبر مراكز الاستشعار العصبي (مثل اللوزة الدماغية والمسارات العصبية المرتبطة بالبقاء) أن استمرار التضحية والتعلق قد تحول إلى “طريق للهلاك الفردي”، يتخذ العقل قراراً سيادياً حاسماً ومرعباً في آن واحد: قطع الإمداد العاطفي نهائياً.

إنه ليس قراراً انتقامياً، بل هو استجابة دفاعية بحتة تشبه آلية بتر العضو لإنقاذ الجسد كله من التسمم. في هذه اللحظة بالذات، تتحول الإنسانوية المفرطة والتعاطف الجارف إلى حياد مطلق. ينطفئ التفاعل، ويصبح الطرف الآخر في معادلة الوجود بمثابة “اللاشيء”، لا لغضب يشتعل، بل لأن الوقود قد نفد تماماً وانتهت الرحلة في الوجدان.

3. خطورة الهدوء: حين يصمت البركان

الناس يخشون العواصف، متسائلين عن أضرار الرياح العاتية، لكنهم لا يحذرون صمت البركان الذي تجمد من كثرة ما احترق. الشخص الذي وصل إلى مرحلة “الانغلاق العاطفي التلقائي” يتمتع بقدرة مذهلة على الاستغناء، وبرود مريب يعجز أعتى قساة القلوب عن تقليده؛ لأنه ببساطة استنفد كل مشاعره في معركة استمرت طويلاً خلف كواليس الصمت.

إنهم أولئك الذين إذا رحلوا لا يعودون، وإذا أغلقوا باباً أغلقوه إلى الأبد، مخلّفين خلفهم سلاماً مزيفاً وبروداً جليدياً يحير كل من اعتادوا على دفء حضورهم القديم.

خاتمة

التلاعب بالقلوب الطيبة واستنزاف صبر الأرواح المعطاءة ليس بطولة، بل هو دفع للإنسان نحو أخطر حالات تحوله النفسي. وحين يتحول الصديق الدافئ، أو الحبيب المفرط في العطاء، إلى جدار من الثلج… فاعللم أنك أمام إنسان ماتت شمعة صبره، واختار البقاء في قاع البرود المريح على الاستمرار في الاحتراق لأجل من لا يستحق.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك