رسالة عاجلة إلى أبي في العالم الآخر: شكراً على تذكرة السفر المجانية إلى كوكب العذاب!

بسمة عمران

أبي الحبيب.. سلام عليك من قلب “الماتريكس” الأرضي، حيث الـ Wi-Fi يقطع، والفواتير تتساقط كأوراق الخريف، والأسعار في تصاعد مستمر بينما راتبي الشهري يتآكل بسرعة ثلج تحت شمس يوليو. أكتب إليك هذه الرسالة لا لأشتكي –فالشكوى لغير الله مذلة، ولغير الميت عبث– بل لأستفسر منك عن سرّ هذه “الهبة العظيمة” التي أهديتني إياها يوماً؛ أقصد، طبعاً، قرار إنجابي إلى هذه الدنيا الواسعة.. العريضة.. القاسية جداً!

أولاً: في جدوى “ورقة الهبوط” الأرضي

أبي العزيز، هل تذكر يوم وُلدتُ؟ تلك الزغاريد التي ملأت البيت، وتوزيعك للحلويات على الجيران، وملامح وجهك المتهللة بالفرح كأنك اكتشفت منجم ذهب؟ لو أنك يا أبتاه استشرتني قبل توقيع عقد مجيئي إلى هنا، لكنتُ فضّلت البقاء في العدم الساكن والهادئ؛ حيث لا قلق من امتحانات، ولا أزمة سكن، ولا مدير عمل يستكثر عليك أن تتنفس. لقد جلبْتَني إلى كوكب يتقاتل فيه البشر على الغاز والبصل، حيث السعادة مؤقتة، والفواتير دائمًا دائمة، والسياسيون يبيعون الوهم في عبوات عائلية اقتصادية. لماذا فعلتَها يا أبي؟ ألم تحذّرك أمي من عواقب توريط كائن بريء في أزمات القرن الواحد والعشرين؟

ثانياً: كواليس الحياة اليومية.. مقلب لم يكن في الحسبان

منذ غادرتَ دنيانا إلى عالم الحق (وهو العالم الوحيد الذي يبدو منظماً مقارنة بفوضانا)، وأنا أكتشف يوماً بعد يوم أن الحياة التي ألقيتَ بي في ميادينها تشبه تماماً مقلباً طويلاً ومكلفاً.

  • ففي كل صباح، عليّ أن أقنع نفسي بأن النهوض من السرير هو “فرصة جديدة للتطور الذاتي”، بينما عقلي الباطن يصرخ بأنني مجرد موظف لدى البنك الذي أستدين منه لأدفع إيجار شقة ضيقة تكفي وبال بالكاد لحفظ ما تبقى من كرامتي.
  • والناس هنا، يا أبي، أشكال عجيبة! يبتسمون في وجهك، ويحسبون لك خطواتك، وينتظرون عثرتك بفارغ الصبر تماماً كما ينتظرون الحلقة الأخيرة من مسلسل تركي طويل. هل هكذا كانت الدنيا في زمانك، أم أننا الجيل التعيس الذي ورث النسخة الرديئة والمحدثة من البؤس البشري؟

ثالثاً: طلب لجوء مؤقت أو “إعادة شحن”

أعلم يا أبي أن باب العودة إلى العالم الآخر مغلق تماماً، وأن القوانين الإلهية لا تقبل الاسترجاع ولا الاستبدال بعد فتح العلبة (أي بعد الولادة). لكني أكتب لك طامعاً في شفاعتك المعنوية من هناك؛ ادعُ لي، أو ارسل لي إشارة خفية عبر المنام تفسر لي سرّ هذا العبث الجميل. وعلى كل حال، ورغم كل هذا التذمر الساخر، أود أن اعترف لك بشيء أخير: ربما كانت الدنيا قاسية وموحشة، لكني ورثتُ عنك تلك السخرية السوداء التي تجعلني أضحك بدمعتين كلما تذكرت أنني جئتُ إلى هنا بالصدفة البحتة، وأن الرحلة رغم قسوتها، لا تخلو أحياناً من فنجان قهوة دافئ ينسينا مؤقتاً خطأنا التاريخي في قبول الدعوة.

رحمك الله يا أبي، وابقَ حيث أنت.. فالأجواء هنا لا تُحسد ابداً!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك