حين يتحول التحرر إلى جحيم الانتقام
عندما تلتهم الثورة أبناءها
أنوار عبد العظيم
حين تندلع الثورات، تشتعل معها آمال الشعوب المقهورة في الانعتاق، بناء العدالة، وتحقيق الحلم الإنساني في الحرية والكرامة. تبدأ الشعارات عادة ناصعة، ترفع لافتات الأخوة، والمواطنة، وتطهير المؤسسات من الفساد والاستبداد. غير أن التاريخ الإنساني القاسي يعلمنا أن هناك خيطاً رفيعاً، ودقيقاً للغاية، بين “الرغبة في العدالة” وبين “شهوة الانتقام”؛ وحين ينقطع هذا الخيط، تتحول الثورة تدريجياً من فعل بناء إلى محرقة مدمرة، ومن حلم بالخلاص إلى كابوس حرب أهلية تلتهم الأخضر واليابس.
أولاً: من عدالة المحاسبة إلى غريزة التشفي
إن أي تغيير ثوري عميق يحتاج بطبيعة الحال إلى محاسبة المسؤولين عن الظلم والفساد، وهي خطوة مشروعة وضرورية لإنصاف الضحايا وإرساء قواعد دولة القانون. لكن المعضلة تبدأ حين يتدخل “العاطفة والانتقام الفردي والعشائري” ليحل محل القضاء العادل والمحاكمة النزيهة.
حين تتصدر المشهد غرائز التشفي، وتتحول الساحة العامة إلى حلبة لتصفية الحسابات القديمة، تفقد الثورة بوصلتها الأخلاقية. يصبح الهدف لم يعد إقامة العدل، بل إشباع رغبة جامحة في إيلام الطرف الآخر لمجرد انتمائه، أو عرقه، أو حتى لأنه كان يقف في الجانب الخطأ من التاريخ. وهنا بالتحديد تبدأ الشرارة الأولى للحروب الأهلية الطاحنة.
ثانياً: دروس من التاريخ.. عندما تاكل الثورات أبناءها
تزخر صفحات التاريخ الإنساني بتجارب مريرة تحولت فيها الثورات والانتفاضات إلى حمامات دم وانتقام متبادل:
- الثورة الفرنسية وعصر الإرهاب (1793 – 1794):
- رغم شعاراتها الخالدة (حرية، مساءلة، إخاء)، انزلقت الثورة الفرنسية في مرحلتها المعروفة بـ “عهد الإرهاب” بقيادة روبسبيير ومقصلته الشهيرة. تحولت المحاكم الثورية إلى أدوات للانتقام السياسي المنهجي، ولم تسلم النخب التي صنعت الثورة نفسها من السقوط تحت نصل المقصلة، لتدخل فرنسا في دوامة فوضى عارمة واقتتال داخلي قبل أن تستقر الأمور.
- الحرب الأهلية الروسية وثورة البلشفيين:
- بعد نجاح ثورة 1917، تحولت البلاد إلى حرب أهلية دموية مرعبة بين “الجيش الأحمر” و”الجيش الأبيض”. لم تقتصر الصراعات على ساحات المعارك، بل رافقها “الإرهاب الأحمر” الذي مارسته السلطة الجديدة لتصفية خصومها وكل من يشتبه في ولائه للنظام القديم، مما خلف ملايين الضحايا وأسس لديكتاتورية دموية استمرت لعقود.
- التجارب المعاصرة للحروب الأهلية (الربيع العربي وما آلت إليه بعض الدول):
- في التاريخ القريب، شهدت عدة دول عربية انهياراً كاملاً لمؤسسات الدولة عندما تحولت الصراعات السياسية والمطالب المحقة إلى حرب أهلية شعواء، تداخلت فيها التدخلات الخارجية مع الثارات الطائفية والعرقية، وتحولت المدن الآمنة إلى ركام، وأصبح المواطن البسيط ضحية دائمة لدوامة العنف والانتقام الذي لا يغفر ولا يرحم.
ثالثاً: حلقة الانتقام المفرغة (العين بالعين تعمي الجميع)
أخطر ما في ثقافة الانتقام أثناء الحروب الأهلية أنها تستولد العنف من أرحام العنف. فحين يُمارس الانتقام ضد جماعة أو فئة معينة، فإن ذلك لا ينهي الصراع، بل يغرس في نفوس الطرف المضرور رغبة مضاعفة في الثأر والانتقام المضاد متى ما سنحت له الفرصة.
تتأسس هنا حلقة مفرغة لا تنتهي؛ فالضحية الأمس يصبح جلاد اليوم، والجلاد ينتظر لحظة الانقضاض، وتضيع معالم الوطن، وتتفكك الروابط المجتمعية التي استغرقت قروناً لتتشكل. في النهاية، لا منتصر حقيقي في الحرب الأهلية سوى الموت والخراب والتبعية للخارج.
إن الثورات الحقيقية والناجحة هي تلك التي تدرك مبكراً أن العدالة تبني ولا تهدم، وأن الانتقام يدمر ولا يصلح. إن القدرة على ضبط النفس، وتغليب لغة القانون على لغة الدم والتشفي، هي المعيار الحقيقي لمدى نضج الأمم وبلوغها مرتبة الدولة المدنية الحديثة. فبدل أن تحرق الأوطان بنيران الثأر، يجب أن تُبنى بمداميك العدل والمصالحة الوطنية الشاملة، لأن التاريخ لا يرحم من فرطوا في تراب أوطانهم على مذبح الأحقاد الشخصية والانتقام الأعمى.


إرسال التعليق