3 أيام في دهليز التحقيق بالمخابرات (الحلقة 4 )

الجنرال عبد اللطيف نواس البلجي

الحافة الصلبة: حين تنطق الجدران ويسكت الجسد

مع دخول منتصف اليوم الثاني وانبثاق العتمة الداكنة لليوم الثالث، انتقل التحقيق في دهليز “المكتب الثاني” من مجرد المناورة السيكولوجية والتجريد الحسي إلى منطقة “الضغط الفيزيائي المباشر”. لم يعد الهدف استدراج المعتقل لحديثٍ هادئ، بل تفكيك الرابط الوثيق بين إرادته الذهنية وقدرة جسده على الاحتمال.

أُقتيد “نجوين” هذه المرة إلى العُمق الأشد ظلمة في الدهليز؛ غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها مترين، لا أثاث فيها، وجدرانها مكسوة بطبقة سميكة من الأسمنت الخشن المبتل. كُبلت يداه إلى الأعلى عبر سلاسل حديدية دُقت في السقف، بحيث تلامس أطراف أصابع قدميه الأرض بصعوبة، مما يحرم الجسد من أي وضعية استراحة ويجعل وزن الجسم كاملاً حملاً ثقيلاً على المفاصل والأربطة.

دخل النقيب “دوبوا” ومعه الملازم “لاروش”. لم يكن في يد دوبوا هذه المرة ملف أصفر ولا سيجارة، بل كان يحمل كراساً صغيراً وقلم رصاص، بينما كان لاروش يرتدي قفازات جلدية سوداء.

قال دوبوا بنبرة حازمة خالية من أي مساحات للتحاور: “نجوين.. نحن هنا لسنا في نزهة، ولستَ في موقف يتيح لك اختيار الصمت. أمامك خياران: إما أن تمنحنا تفاصيل نقطة الالتقاء قرب نهر ‘سونغ كوي’، أو تشاهد جسدك يتداعى قطعة قطعة أمام عينيك”.

بدأ لاروش بتطبيق تكتيك الحرمان المائي والإنهاك العضلي، متبوعاً بأسلوب الضغط على المراكز العصبية الحساسة خلف الأذنين وعلى معصمي اليدين. كان العنف الممارس من قبل عناصر المكتب الثاني ينطلق من عقيدة المخابرات الاستعمارية التي ترى في المعتقل “مصدر معلومات” يجب استخلاص البيانات منه قبل فوات الأناوين التكتيكية، دون أدنى اعتبار لإنسانيته.

ومع كل ضربة أو ضغط عصب، كان الجسد المجهد لـ “نجوين” ينتفض بشدة، وتتسارع أنفاسه المتقطعة، لكن ذهنه كان يتشكل حول استراتيجية دفاعية معقدة تُعرف في علم النفس العسكري بـ “الانفصال الوجداني” (Dissociation).

كان نجوين ينقل عقله خارج جدران الغرفة. يغمض عينيه الشاحبتين ويتخيل حقول الأرز الممتدة في قريته، رائحة المطر على أوراق الشجر، وصوت طفله الصغير وهو يركض خلف الأنعام. كان يهرب من آلام اللحظة بالحضور الكامل في ذاكرته الوطنية والإنسانية.

أدرك دوبوا أن المعتقل يدخل في مرحلة الغيبوبة الجزئية أو التجاهل الحسي الكامل. صرخ فيه الملازم لاروش وهو يمسك بشعره ويرفع رأسه للعلى: “انظر إليّ! أين تقع المغارة؟ من هو قائد الخلية؟”

فتح نجوين عينيه المليئتين بالدم والدموع، ونظر مباشرة في عيني النقيب دوبوا. لم يكن في نظراته خوف ولا انكسار، بل كانت نظرة استعلاء هادئة جعلت الضابط الفرنسي يتراجع خطوة إلى الخلف.

قال نجوين بصوت يشبه الحفيف، خرج من عمق حنجرته المصابة بالجفاف: “يمكنكم كسر العظام يا سيدي.. لكن الطين الذي خُلقت منه هذه الأرض لا يتكلم اللغات الأجنبية”.

ساد الغرفة صمتٌ ثقيل يلفه الذهول. كان يتضح للجميع أن الأساليب التقليدية والحديثة للمكتب الثاني قد اصطدمت بجدارٍ صلب من العقيدة والصلابة الإنسانية التي لا تملك المخابرات أدوات لفك شفرتها.

أمر دوبوا بفك السلاسل، لسقوط نجوين مغشياً عليه على الأرض الأسمنتية الباردة، تمهيداً للساعات الأخيرة والحاسمة من هذه المواجهة.

الجنرال عبد اللطيف نواس البلجي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك