10 كذبات شهيرة لقناة الجزيرة
صناعة الوهم وتزوير الوعي: كيف تحولت الشاشات إلى أسلحة دمار شامل؟
الكاتبة: أنوار عبد العظيم
في العصر الحديث، لم تعد الحروب تدار فقط بالمدافع والبارود والرصاص الحي، بل انتقلت عدوتها إلى الميدان الأكثر خطورة وتأثيرًا: ميدان الوعي والوجدان الإنساني. لقد تحولت بعض المنصات والفضائيات الكبرى إلى غرف عمليات لإدارة الأزمات وصناعة الروايات المزيفة، مستغلة تعطش الشعوب للحرية والعدالة لغرس سموم الأجندات الحزبية وتوجيه البوصلة نحو الفوضى والدمار. وحين تفقد وسائل الإعلام مهنيتها وتتخلى عن الحياد، تصبح الأكذوبة وجهة نظر، ويتحول تزييف الحقائق إلى صناعة ممنهجة تُدار بمهارة شيطانية.
أولاً: هندسة الكذبة الكبرى وتكرارها حتى تصبح “حقيقة”
تعتمد آلة التضليل الإعلامي الموجه—تلك التي خبرناها مراراً في تغطيات مأساوية لبلدان كليبيا وسوريا—على قاعدة نفسية قديمة، وهي أن تكرار الكذبة ألف مرة يكفي لجعلها تبدو كأنها حقيقة مطلقة.
حين تبث القنوات تقارير مفبركة عن قتلى وهميين، أو تلصق مقاطع فيديو قديمة التقطت في بيئات أخرى على أنها جارية في قلب الحدث الآن، فإنها لا تمارس الصحافة بل تمارس “التخدير المنهجي للوعي”. يتم استغلال العاطفة الإنسانية النبيلة للمشاهد، وتجييش مشاعره عبر مؤثرات صوتية ودرامية مبالغ فيها، لدفعه نحو اتخاذ مواقف سياسية مدمرة تؤدي بالنتيجة إلى تمزيق نسيج دوله ومجتمعاته من حيث لا يدري.
ثانياً: تلميع الميليشيات وبيع أوهام “الثورة”
من أخبث أساليب التضليل الإعلامي في العقد الماضي؛ هو عملية “غسيل السمعة” الشاملة التي تعرضت لها التنظيمات المسلحة والميليشيات المتطرفة. فبقدرة قادر، تحولت العصابات التي تروع الآمنين وتفرض أجندات خارجية إلى “فصائل ثورية معتدلة”، وأصبح تدمير مؤسسات الدولة ونهب مقدراتها يسمى في قاموسهم “دفاعاً عن المكتسبات”.
لقد مُرّرت هذه السرديات الكاذبة بعناية تحت غطاء شعارات براقة، بينما كانت الكواليس تعج بصفقات مشبوهة تخدم مصالح قوى إقليمية ودولية لا تضمر للمنطقة العربية إلا الخراب والتقسيم. وحين كان يواجه هذا الخطاب الساقط أي حقيقة ميدانية تكذب ادعاءاته، كان الجلاد الإعلامي يلجأ إلى سياسية التخوين والإقصاء السريع لكل من يجرؤ على قول: “أنظروا، الصورة غير ذلك تماماً!”.
ثالثاً: خطيئة سقوط المهنية على مذبح الأيديولوجيا
إن أخطر ما يواجه الصحافة الحرة اليوم هو تسييس الحقيقة وتطويع الخبر لخدمة حزب أو تنظيم أو ممول إقليمي. عندما يصبح الإعلامي بوقاً لتنظيم أيديولوجي، فإنه يتخلى عن شرف الكلمة وأمانة النقل. إن الشعوب التي اكتوت بنيران الحروب الأهلية المستعرة بفعل البروباغندا الإعلامية، أدركت متأخرة أن الرصاصة قد تقتل فرداً، لكن الكذبة الإعلامية القذرة قد تقتل أمة بأكملها.
في الختام، إن استعادة العافية الفكرية والسياسية لعالمنا العربي تبدأ حتماً بكسر احتكار الحقيقة وتطهير الفضاء العام من سموم التضليل وفبركات الفضائيات الموجهة. وحين يمتلك المواطن القدرة على تمحيص الخبر، ورفض استغلال عاطفته، وإسقاط سرديات الوهم والتزييف، حينها فقط تسقط أخطر أسلحة الدمار الشامل في عصرنا الرقمي: أكاذيب الشاشات.

إرسال التعليق