انتصار أكتوبر.. نصرٌ سياسيٌّ أعاد رسم الخريطة
في السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، لم تكن مصر تخوض مجرد معركة عسكرية لاسترداد أرض، بل كانت تخوض معركة وجود واستعادة كرامة. انتصار أكتوبر لم يكن مجرد عبور للقناة أو تحطيم لخط بارليف، بل كان تحولاً استراتيجياً شاملاً أعاد لمصر مكانتها، وأعاد للعرب ثقتهم بأنفسهم، وفتح أبواب السياسة والدبلوماسية على مصراعيها بعد سنوات من الجمود والهزيمة.
قبل أكتوبر، كانت مصر تعيش تحت وطأة نكسة ١٩٦٧، أرض محتلة، جيش محبط، وشعب يبحث عن أمل. جاءت الحرب لتغير المعادلة تماماً. فالنجاح العسكري السريع في الأيام الأولى لم يكن هدفاً في حد ذاته، بل كان أداة لتحقيق هدف أكبر: كسر أسطورة التفوق الإسرائيلي المطلق، وإجبار العالم على الاعتراف بأن الاحتلال ليس قدراً أبدياً. لقد أثبتت مصر أن الإرادة السياسية المقترنة بالإعداد الجيد قادرة على تغيير موازين القوى، حتى في مواجهة خصم مدعوم بقوة عظمى.
لكن الأهم من ذلك أن انتصار أكتوبر كان سياسياً بامتياز. فبمجرد أن ثبتت مصر قدرتها على القتال، تحولت المعركة من ميدان القتال إلى طاولة المفاوضات. استطاعت الدبلوماسية المصرية، بقيادة الرئيس أنور السادات، أن تستثمر الزخم العسكري في مكاسب سياسية حقيقية: استعادة قناة السويس، ثم استعادة سيناء بالكامل عبر اتفاقيات كامب ديفيد، بعد أن كانت مجرد حلم بعيد المنال. لم يكن السلام مع إسرائيل تنازلاً، بل كان نتاج قوة، وإدراكاً بأن الحرب ليست غاية، وأن السياسة هي الوسيلة الأضمن لحماية المكتسبات.
كما أعاد أكتوبر لمصر دورها الإقليمي. أصبحت القاهرة مرة أخرى مركزاً للقرار العربي، وأثبتت أن الدولة القوية عسكرياً وسياسياً هي القادرة على فرض احترامها. وعلى المستوى الداخلي، أعاد النصر اللحمة الوطنية، ووحد الشعب خلف هدف واحد، وأثبت أن التضحية في سبيل الأرض والكرامة تثمر دائماً.
اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، يظل انتصار أكتوبر درساً حياً. فهو يذكرنا بأن القوة العسكرية ضرورية، لكنها غير كافية. وأن السياسة الحكيمة، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على تحويل النصر الميداني إلى مكاسب دائمة، هي ما يصنع التاريخ الحقيقي. انتصار أكتوبر لم يكن نهاية حرب، بل بداية عصر جديد لمصر.. عصر السيادة والكرامة والقدرة على صنع المستقبل.
د محمد إبراهيم بسيوني



إرسال التعليق