ما هي الجيوش التي تسمح بضرب الجنود والضباط؟
العقيد شوقي بشير
محلل عسكري واستراتيجي
العقاب البدني في العقيدة العسكرية: ما هي الجيوش التي تسمح بضرب الجنود والضباط؟
تُعتبر مسألة الانضباط العسكري (Military Discipline) حجر الزاوية في بناء أي قوة قتالية نظامية، حيث تتوقف كفاءة الجيوش على قدرتها على فرض الطاعة والتنفيذ الأعمى للأوامر. غير أن الوسائل المستعملة لفرض هذا الانضباط شهدت تحولات جذريّة على مر التاريخ، لتبتعد جلّ الجيوش الحديثة عن العقاب البدني المباشر (Corporate Punishment) أو ضرب المرؤوسين، وتستعيض عنه بعقوبات جزائية وإنضباطية قاسية.
فما هو الموقف القانوني والتاريخي للجيوش العالمية من ضرب الجنود والضباط عند ارتكاب المخالفات؟
أولاً: التحول التاريخي.. من “الجلد” إلى الانضباط التشريعي
تاريخياً، كان الضرب والعقاب الجسدي وسيلة رئيسية ومقبولة رسمياً لفرض السيطرة داخل القوات المسلحة لدى مختلف الإمبراطوريات:
- الجيش الروماني والانكشاري: كان الضرب بالخيزران أو الجلد يُمارس علناً أمام التشكيلات لترهيب المخالفين وتنفيذ العقوبات السريعة.
- الجيوش الأوروبية (القرنان 18 و19): كان الجيش البريطاني والروسي والبروسي يعتمدون على “الجلد بالسياط” (Flogging) كعقوبة رسمية صادرة عن محاكم عسكرية لمخالفات مثل الفرار أو العصيان.
- إلغاء العقاب البدني: مع بداية القرن العشرين وتطور مفاهيم حقوق الإنسان وتأسيس القوانين العسكرية الحديثة، حظرت معظم الدول العقاب البدني رسمياً وأسقطته من لوائحها العقابية.
ثانياً: الجيوش الحديثة والموقف من ضرب الجنود والضباط
في العصر الحالي، يُعد الضرب المباشر أو التعذيب البدني مجرماً قانوناً في القوانين العسكرية لـ 99% من جيوش العالم النظامية، حيث يُصنف سلوك الضابط أو الصف-ضابط الذي يضرب جندياً بـ “إساءة استخدام السلطة” (Abuse of Authority) أو “اعتداء غير مشروع”، ويترتب عليه محاكمة عسكرية للمعتدي.
ومع ذلك، تتفاوت الممارسات الميدانية الواقعية بين ثلاثة نماذج رئيسية:
1. الجيوش الت التلتزم الصرامة القانونية المطلقة (المنع التام)
تضم هذه الفئة معظم الجيوش الحديثة والنظامية (مثل الجيوش العربية النظامية، وجيوش حلف الناتو، وغيرها).
- القانون: يُحظر حظراً باتاً على أي ضابط أو صف ضابط مد يده بالضرب على جندي أو ضابط مرؤوس.
- العقوبات البديلة: الاستعاضة عن الضرب بـ العقوبات الانضباطية والبدنية المجهدة تنظيمياً (كالتمارين الشاقة، الحرمان من الإجازات، السجن الانضباطي، التجريد من الرتبة، أو المحاكمة العسكرية). وفي حال قيام قائد بضرب مرؤوسه، يحق للمتضرر تقديم شكوى رسمية تُعرض القائد للعزل أو السجن.
2. الجيوش التي تمارس “الضرب الظلي” أو الثقافة الشديدة (Hazings & Dedovshchina)
رغم حظر الضرب رسمياً في قوانينها، إلا أن بعض الجيوش تشهد ممارسات غير رسمية للضرب والتعذيب البدني بين الجنود أو من قِبل الرتب الأعلى كنوع من التقاليد القاسية لفرض السيطرة:
- الجيش الروسي (ظاهرة الديدوفشتشينا – Dedovshchina): تُعد من أشهر الظواهر العسكرية التاريخية؛ حيث يمارس الجنود القدامى وضباط الصف ضرباً وإهانة بدنية للجنود الجدد لكسر إرادتهم وتدريبهم على الخضوع. ورغم محاولات وزارة الدفاع الروسية محاربة هذه الظاهرة تشريعياً، إلا أنها تظهر في بعض الثكنات الميدانية.
- بعض جيوش شرق آسيا (مثل كوريا الشمالية وجيوش إفريقية غير نظامية): تعتمد على العقاب البدني الفوري والمباشر في الميدان كأداة سريعة للسيطرة وإطباق السمع والطاعة، ودون العودة للمحاكمات العسكرية.
3. الميليشيات والجماعات المسلحة غير النظامية
في القوات غير النظامية أو التنظيمات المسلحة، لا تخضع الإجراءات لقوانين عقوبات عسكرية مدونة، بل لرغبة القائد الميداني؛ حيث يُمارس الضرب والجلد والفلكة كعقوبات فورية على المخالفات الصغرى والكبرى دون رادع قانوني.
ثالثاً: البديل المعتمد للضرب في العرف العسكري الحديث
تساءل الكثيرون: إذا كان الضرب ممنوعاً، فكيف تفرض الجيوش الانضباط؟
تستخدم الجيوش النظامية أدوات أشد تأثيراً من الضرب، تُعرف بـ العقوبات الإدارية والبدنية المشروعة:
- الجزاءات البدنية الشاقة: التكليف بتمارين شاقة (كالركض بالأوزان، الضغط، أو الزحف) تحت مسمى “إعادة الضبط” وليس الضرب.
- العزل والسجن العسكري: الحبس في الزنازين الانضباطية (الحبس الشديد).
- العقوبات المالية والإدارية: الخصم من الراتب، الحرمان من التر go إلى رتب أعلى، أو التسريح الجزائي مع الحرمان من الحقوق التقاعدية (وهو أشد من الضرب في العرف العسكري).
خلاصة واستنتاج
إن الجيوش النظامية القوية لا تحتاج إلى “الضرب” لفرض هيبتها وانضباطها؛ فالضرب يُضعف معنويات المقاتل، ويقتله نفسياً، ويزرع الضغينة بين الجندي وقائده مما قد يؤدي إلى العصيان أو إطلاق النار العكسي في الميدان (Fragging).
لذا، فإن القانون العسكري الحديث يحظر ضرب الجنود والضباط ويجرّمه، ويستعيض عنه بقوانين انضباطية صارمة تجعل من خرق الأوامر سبباً لفقدان الحرية أو المستقبل المهني، وليس مجرد آلام بدنية مؤقتة!
توقيع:
العقيد شوقي بشير



إرسال التعليق