جنرال القوات الخاصة المثالي المرعب

العميد عبد اللطيف نواس بلجي

الكثير من القادة و الجنرالات متميزون ، ولديهم جرأة وقدرة ، لكن فئة قليلة من الجنرالات تتوفر لديهم امكانات خاصة

لو نظرتَ إلى ملامحه العادية جداً، بوجوهها المصرية الأصيلة وابتسامته التي تشبه وجه أي جار أو خال أو أخ قريب منك، فلن تصدق أبداً أن خلف هذه الملامح الوادعة يختبئ أسطورة حية، بل “مجنون رسمي” كما كان يمزح قادته وزملاؤه. إنه بطل من طراز نادر، رجل لم تلد الأراضي المصرية كثيراً مثله، إنه الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي، قائد وأسد المجموعة 39 قتال صاعقة.

رجل بخلفية الأساطير
حين سأله قائده يوماً بابتسامة مزيجها الدهشة والإعجاب: “هو إنت يا إبنى داخل مسابقة مع الجيش مين فيكوا يقتل أكتر!؟”، لم يكن القائد يبالغ. فدفئُه الإنساني وحنانه في البيت كزوج رومانسى حانٍ، كان يتناقض كلياً مع شراسته التي لا توصف في ساحات الوغى. حتى إن رفقاء سلاحه قالوا لزوجته يوم زواجهما بصدق امتزج بالمرارة: “إشبعى من جوزك علشان هو ناوى مايطولش معانا”.

ولم تكن تلك الكلمات عبثاً، بل كانت قراءة دقيقة لقلب رجل باع روحه رخيصة من أجل وطنه. فقبل أن يتم عامه الأربعين، كان قد توج صدره بأنبل الأوسمة والنياشين؛ نوط الشجاعة ثلاث مرات، نجمة سيناء مرتين، نوط الترقية الاستثنائية، ونوط الواجب العسكري.

من تدمير مخازن 67 إلى خطف الصواريخ
بدأت رحلة المجد الحقيقي مبكراً؛ فحين وقعت نكسة 1967، قاد مجموعته لتدمير مخازن السلاح والذخيرة حتى لا تسقط غنيمة في يد العدو.

لكن المشهد الأبرز الذي سيبقى خالداً في ذاكرة العسكرية المصرية هو ذلك الحوار الساخر بينه وبين الفريق عبد المنعم رياض. حين طلب منه الفريق رياض الحصول على صاروخ “أرض-أرض” إسرائيلي جديد لدراسته، لم يعد الرفاعي بصاروخ واحد فحسب، بل عبر القناة وعاد بثلاثة صواريخ كاملة، ومعهم أسير هو الملازم “داني شمعون” بطل المصارعة الإسرائيلي!
فلما سأله الفريق عبد المنعم رياض وهو يضحك دهشة: “مش أنا طلبت منك صاروخ واحد بس!؟”، رد الرفاعي ببديهته الساخرة: “يا فندم يمكن نمتحن فيهم قريب ولا حاجة فقلت أجيب بزيادة علشان المراجعة النهائية!”.

ثأر الشهيد وثحافة البيادة الحمراء
في اليوم التالي لاستشهاد الفريق عبد المنعم رياض في 9 مارس 1969، لم يهدأ للرفاعي بال. عبر برجاله إلى موقع إطلاق الصواريخ (المعدية 6)، ليقتل 44 ضابطاً وعسكرياً إسرائيلياً، ويدمر الموقع بالكامل، ويحرق علمهم رافعاً العلم المصري على أنقاضه. كانت عملية قاسية هزت الكيان الصهيوني لدرجة دفعته لتقديم احتجاج رسمي لمجلس الأمن بسبب “وحشيتها”.

ومن فخره اللامتناهي بالجيش المصري، ميز الرفاعي نفسه بين رجاله بأن ارتدى بيادة بلون “أحمر”. وفي حرب أكتوبر المجيدة 1973، ضرب أروع أمثلة البطولات حين صعد بمفرده على قاعدة صواريخ ليتعامل مع كتيبة دبابات كاملة في الإسماعيلية، حتى استشهد كما كان يتمنى بعد أن كشف العدو موقعه وسلط عليه كامل مدفعيته.

ألقاب لا تُمنح إلا للكبار
لم يكن غريباً أن تتعدد الألقاب التي نالها هذا البطل استحقاقاً:

سمّاه الصهاينة “الشبح” لأنه كان يظهر ويفني مواقعهم بلا مقدمات.

سمّاه رجاله “أبونا” لحنانه الأبوي وسط جحيم المعارك.

سماه الجيش المصري “أبو الشهداء”.

سمّته مصر وقتها “الكبير”.

ونسميه نحن اليوم الأبدي: “أمير الشهداء”.

رحم الله إبراهيم الرفاعي، الرجل ذو الوجه المألوف الذي علّمنا كيف تكون البطولة الحقيقية بلا إدعاء، وكيف يُكتب التاريخ بالدم والفخر.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك