أنتو مين و احنا فين ..الإحداثيات الضائعة في جغرافية العبث

أنوار عبد العظيم

في زمن تتشابه فيه وجوه الشاشات، وتتطابق فيه تصريحات الخبراء الاستراتيجيين لدرجة تجعلك تظن أنهم وُلدوا في “خط إنتاج” واحد بمصنع صيني رديء الصنع، تجد نفسك فجأة أمام السؤال الوجودي الأعظم الذي يتردد صداه في أروقة العقل البشري المأزوم: “أنتم مَن، ونحن أين؟”.

لا تقلق عزيزي القارئ، فهذا ليس لغزاً من أغاز أبو الهول، ولا هو استبيان رضا عملاء لشركة اتصالات فاشلة، بل هو العنوان الرسمي لرحلة السقوط الحر نحو اللاهوت العبثي الذي نعيشه يومياً.

الفصل الأول: في اللحظة التي تكتشف فيها أنك “المشاهد” الوحيد

تخيل معي السيناريو الآتي: أنت جالس في صالون بيتك المتهالك، ترتشف شاياً بارداً، وتحاول جاهدًا أن تفهم شيئًا واحدًا مما يدور حولك في هذا العالم. فجأة، يظهر عليك أحدهم عبر التلفزيون ببدلة لامعة وربطة عنق تفوق حجم طموحاتك، ليحدثك بثقة منقطع النظير عن “التحديات الجيوسياسية الكبرى وتأثيرها المباشر على سعر رغيف العيش المصنوع من نشارة الخشب”.

هنا تحديداً يضربك البرق المفاجئ للسؤال الأبدي:

  • “أنتم”: مَن أنتم؟ هل أنتم كائنات قادمة من مجرة أندروميدا لتعيث فساداً في أعصابنا؟ أم أنكم وكلاء لشركة تأمين وهمية تتابع ضغط دمائنا على مدار الساعة؟
  • “ونحن”: نحن أين؟ هل نحن حقاً في القرن الحادي والعشرين حيث الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي، أم أننا محشورون بالخطأ في “فلاش ميموري” تالفة تركها أحدهم في درج مكتب قديم منذ عام 1995؟

الفصل الثاني: صراع الهويات وال GPS المعطل

إن أفظع ما يمكن أن يواجهه المرء في منتصف العمر، أو حتى في أوله حين تباغته الفاتورة، هو ألا يعرف من هو، وأين تقف قدماه بالضبط.

  • حين يسألك أحدهم: “أنتم مين؟”.. تتلعثم. هل تقول له: “أنا المواطن الذي يحفظ جداول الضرب عن ظهر قلب ولكنه ينسى لماذا دخل المطبخ؟” أم تقول: “أنا الضحية الرسمية لبرامج التنمية المستدامة التي تنتهي دائماً بزيادة أعباء غير مستدامة بالمره؟”.
  • أما الطامة الكبرى ففي الإجابة عن: “نحن أين؟”. هنا تشعر بالرغبة الملحة في استخدام تطبيق الخرائط، لعل وعسى يخبرك السهم الأزرق أنك في الساحل الشمالي، بينما أنت في الواقع واقف في طابور الخبز تحت مطر شتوي قارس، وتستمع لجارك وهو يلقي عليك محاضرة اقتصادية حول “فوائد التقشف على روحانيات الفرد”.

الفصل الثالث: الماستر كلاس في الانفصال عن الواقع

الجميل في الأمر، والمُبكي في آن واحد، أن منظومة “أنتم مين وأحنا فين” تعمل بانتظام ميكانيكي مذهل.

فالحكومات تعيش في برج عاجي مذهب (أنتم)، بينما المواطن يعيش في شقة أرضية تسرب مياه الصرف الصحي إلى أثاثه (نحن). الخبراء الاقتصاديون يبشرونك بأن “المؤشرات إيجابية للغاية” (أنتم)، بينما أنت تحسب الحسبة الرياضية المعقدة لتعرف هل تشترِ دواء الضغط أم بيض لوجبة العشاء (نحن). الفارق الزمني والمكاني بين الفريقين يشبه الفارق بين سرعة الضوء وسرعة سلحفاة مصابة بالروماتيزم.

في النهاية، وسواء كنت تدري مَن أنت، أو كنت تحاول عبثاً اكتشاف أين وُضعت على خريطة هذا الكوكب الساخر، تذكر دائماً قاعدة العصر الذهبي: “لا تكن جاداً أكثر من اللازم، فالحياة نفسها أثقل من أن تُؤخذ بجدية، والبوصلة التي تبحث عنها.. غالباً ما ضاعت لأن أحدهم استخدَمها كملعقة لتقليب الشاي”.

فيا أيها المجهولون في مواجهة الأمكنة المجهولة.. طاب صباحكم، وأعاننا الله وإياكم على فهم السؤال قبل أن ينتهي الوقت المخصص للإجابة!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك